موصى به لك

الأقسام

الأعلى تقييمًا

    أعمال أصلية (RO)

      الأفضل شهريًا

        روايه بتمناها لي - حب

        بتمناها لي

        2025,

        رومانسية

        مجانا

        بعد غياب طويل، يرجع غيث لقبيلته الرشيدين، ويلاقيها متغيرة ومزدهرة بفضل جهود قائدهم بدر. بينما يفرح غيث بعودته ويكتشف التطورات، يواجه بدر داخليًا صراعًا مع مشاعره تجاه شوق، اللي كانت أمله، لكنها الآن عروس غيث. تتكشف الأحداث بسرعة مع إعلان زواج غيث من شوق، وفجأة تنقلب الفرحة لهجوم على القبيلة، ليجد بدر نفسه في قلب المعركة.

        غيث

        تاجر رجع لقبيلته بعد خمس سنين قضاها في الشام، شخصية حكيمة، ومخلص لأهله وأصدقائه، ويبحث عن الاستقرار.

        بدر

        قائد فرسان قبيلة الرشيدين، يتميز بالقوة والحكمة والشجاعة، مسؤول عن حماية قبيلته، ويخفي مشاعر خاصة تجاه شوق.

        شوق

        أخت الشيخ فارس، وهي المرأة اللي كان بدر يتمناها، لكن الأقدار جمعتها بغيث كزوجة له.
        تم نسخ الرابط
        بتمناها لي

        سنة وأربعة شهور من بعد.
        
        الصبح كشف غطى الدنيا، ومعاه زقزقت العصافير، وطارت أول طلة لها باليوم. الهوا البارد يدور، شايل معاه ريحة الأرض، ناعمة بعد ما غسلتها الأمطار، وملت الأشجار روح فرحة منعشة وثابتة. جاب معاه سحب متفرقة تزين السما الشامخة، اللي تلالأت فيها النجوم المتفرقة زي الجواهر على التاج.
        
        الهوا لبس ثوب شتوي وهو يفتح يدينه لقبيلة الرشيدين. كان قد ودع قبيلة البركان من زمان والحين يدور ملجأ في قبيلة الرشيدين. ارتفعت الأوراق الجافة والشجيرات من الصحراء والهوا يتثاوب ويرمش على شي جاي من بعيد. والهوا يرقص ويتمايل، مخلي الهلال اللي باهت والذئاب النعسانة تتفرج عليه بترقب.
        
        وش اللي خلى الهوا كذا حيوي؟ هو الأمير اللي فقده؟ ولا البنت اللي عيونها وسيعة وبنية؟
        
        الهوا اندفع قدام بشويش عشان ما يفزع زواره. جناحينه انفرجت والتفت حول قافلة مكونة من خمسة خيول وسبعة جمال. تاجر وقافلته كانوا مسافرين من الشام أكثر من شهرين. شوفة قبيلته المحبوبة؛ جابت الطمأنينة لقلبه. يده اليمين شدت على لجام حصانه؛ أخيراً رجع، رجع لتراب قبيلته، رجع لأمه.
        
        ولما قربت القافلة من القبيلة الكبيرة اللي بين جبلين ممتدة على الجانبين، لاحظ غيث التغيرات. حتى من بعيد كذا، كان يقدر يشوف التغيرات لأنها كانت استثنائية. لما غيث غادر قبيلته قبل خمس سنين، كل اللي كان موجود خيام ونخيل وآبار. أما الحين، تغير شي.
        
        غيث ضيق عيونه على البيوت اللي تشبه بيوت الطين في الشام. القبيلة كلها كانت مسورة؛ بعدد لا يحصى من أشجار النخيل. ومن دايرة الشجر، قدر غيث يشوف البيوت متوزعة حول الخيام.
        
        ابتسامته اتسعت. قبيلة الرشيدين كانت مزدهرة. يا ترى أبوه ساكن في واحد من هالبيوت؟ وبدر بعد؟
        
        مع هالخواطر، ابتسامة زينت وجهه الوسيم. غيث طالع ورا كتفه على القافلة اللي وراه. لاحظ كيف كل واحد من الرجال يا جالس سيدة على حصانه أو يمد رقبته عشان يشوف قبيلة الرشيدين بشكل أوضح. وهو يبتسم، غيث واجه قبيلته ولف شماغه حول وجهه ضد الهوا البارد اللي يدور في هالديار.
        
        أعضاء الهوا المشاغبين طلوا داخل الصناديق الخشبية المحملة واندهشوا من البضايع اللي جابها التاجر من الشام. بفضول، داعب خدود التاجر الوسيم، وخلى الرجال يرتجف ويشد ثوبه عليه.
        
        توقفت القافلة عند حدود القبيلة. الرجال اللي متمركزين عند مدخل القبيلة انتبهوا لوصول القافلة. واحد منهم تقدم وسيفه بيده.
        
        "وش جابك هنا؟" سأل الحارس.
        "راجع للبيت." غيث نزل شماغه من على وجهه.
        
        "غيث؟" الحارس عبس. "أنت؟"
        غيث ضحك. "إي والله يا علي. أنا. رجعت بيتي. تسمح لي أدخل قبيلتي؟"
        
        "إي. إي نعم." علي غمد سيفه ورجع خطوة ورا وهو يبتسم.
        ولما حصان غيث مر بين بيوت الطين والخيام، شاف إن القبيلة تعج بالحركة. رجال وحريم يتمشون ويشوفون شغلهم. ارتفعت حواجب غيث من منظر معين قدامه، وهنا ضحك الهوا. قناة ضيقة رائعة تتسلل حول الخيام والبيوت. الموية تلمع في ضوء الشمس الخافت اللي يطل من أشجار النخيل، ويخلي القبيلة تبدو مهيبة.
        
        كيف بحق السما طلعت قناة في القبيلة؟
        عيون غيث استوعبت الناس اللي طلعوا من بيوتهم ومعاهم قدور طين. لاحظ باهتمام وهم يركعون عشان يملون قدورهم موية من القناة الضيقة. لازال مذهول، نظره انتقل للنوافذ الخشبية اللي كانت مفتوحة عشان تدخل نسيم الصبح بدري رغم البرد. على يساره كانت المزارع والإسطبلات والقطعان. الرعاة كانوا خلاص يراعون حلالهم.
        
        غيث وجه حصانه باتجاه ميدان التدريب، وكان يدري إن الشخص اللي يدور عليه بيكون موجود هناك في هالوقت. "حسين، روح لبيت أبوي وفك الحمول من القافلة." كلم واحد من الرجال في القافلة. حسين هز راسه وتوجه لبيت غيث. غيث كان يدري إن حسين يعرف وين خيمة أبوه؛ وإذا فيه بيت مبني مكانها. راح يلاقيه هناك.
        توجه التاجر لميدان التدريب جنب الإسطبل وشاف؛ فعلاً، ثلاثة رجال جالسين جنب خيمة مفتوحة يشربون قهوة وياكلون خبز توه مخبوز. غيث نزل من حصانه البني، وربط اللجام حول جذع نخلة، وتوجه للرجال اللي في الخيمة المفتوحة.
        
        صوت طقطقة لفت انتباه غيث. حرك راسه يمين وشاف إن فيه حطب يحترق جنب الخيمة المفتوحة عشان يوفر للرجال دفى ضد البرد. آآآه! يا زين السكنة في الخيمة. اشتاق لها كثير.
        وبدون ما ينبه الفرسان، نادى غيث، "ريحة هالقهوة تشد."
        
        الرجال اللي في الخيمة رفعوا روسهم للصوت اللي يعرفونه. جبير، واحد من أصدقائه، كان أول واحد يوقف وتقدم لغيث. جبير ضم أخوه، وضربه على ظهره، تقريباً كسر عظامه. وهو يضحك، الرجال ابتعد ولف ذراعه على كتف غيث. "يا مرحبا، يا هلا ومسهلا."
        "كيفك؟" سأل غيث وهو يضحك.
        
        جبير شال يده ورجع خطوة ورا. "الحمد لله. أنت اللي المفروض تقول لنا عن أحوالك."
        خلفان، واحد من أصدقاء غيث المقربين صافحه وهو يبتسم. "والله زين إنك رجعت يا أخوي." بعدين ابتعد عشان آخر شخص في الخيمة يسلم على غيث.
        
        بدر. قائد فرسان الرشيدين. أعز أصدقاء غيث كان آخر واحد يسلم عليه. مع شوفة صقر الفرسان، الهوا وقف أعدل. شرب الابتسامة اللي على وجهه وعرف إن هالرجال هو المجرم اللي سرق جمال الهلال ولبس بريقه في عيونه الذكية.
        
        بدر كان لابس ثوب أبيض وفوقه ثوب بني وغترة بيضا. لحيته كانت أكثف من أول، ومخليته يبدو أجمل وأكثر وقاراً. عيونه الغامقة انكمشت عند الأطراف لما طاحت على صديقه.
        غيث طالع في شكل بدر؛ الرجال تغير؛ صار يبدو أكبر، أكثر حكمة. الشعر اللي كان قصير وصل لأذانيه، العيون الهادية كان فيها خشونة؛ يمكن أحداث الخمس سنين اللي فاتت سببت هالشي.
        
        
        
        
        
        
        
        
        رد بدر فعل جبير وضمه صديقه. "والله، يسعدني رجوعك يا صديقي. بس لازم تشوف أمك أول." همس عشان غيث يسمعه.
        
        ضحك غيث. "آه! مشتاق لها يا بدر، بس قلبي ما يتحمل دموعها. أرسلت أغراضي، وأنا أدري إنها بتبكي يوم تشوفها. بنتظر لين الهوا ينشف دموعها، ولما ينشفها، أمي بتستقبل ولدها بابتسامة." وعلى كلامه، كم واحد من الهوا مشوا.
        "الرجال الحكيم دايم." بدر طبطب على كتف غيث. "تعال، اجلس معنا."
        
        جلسوا الرجال حول حصيرة صغيرة من الخوص. غيث ما كان يصبر ياكل خبز قبيلته والقهوة الطازجة. خلفان صب له قهوة في فنجان طين صغير ومده له. التاجر قرب الفنجان لشفايفه، شم ريحة القهوة القوية، وشربها كلها مرة وحدة. الريحة خلته يغمض عيونه.
        البيت.
        
        تغيرت أشياء كثيرة، ومع كذا، ما كان يعرف عنها إلا القليل من رسايل بدر. بين عيال عمّه وأصدقائه، بدر هو الوحيد اللي غيث يعتبره أخوه. كل هالسنوات وهو يتدرب جنبه، ويقاتل معاه، ما خلى غيث يفكر إنه الولد الوحيد لأهله.
        بدر هو الوحيد اللي كان يدري بكل صعوباته في الشام بسبب التجارة. كل الحيل، الفشل، والإنجازات اللي مر فيها غيث في الخمس سنين اللي فاتت في الشام. كان قد ترك قبيلته عشان يكتشف التجارة وكيف يصير تاجر. كان قرار حكيم، لأنه كسب ثروة حلال كبيرة لأهله. لكن مع الثروة جت المخاطر، الهزيمة، والعزلة. وحشة قوية لدرجة إنه ما عاد يقدر يتحملها، عشان كذا رجع لقبيلة الرشيدين.
        
        بدر كان يدري بكل شي لأنه هو الوحيد اللي مسموح له يقرا رسايله لأمه وأبوه. بس كان فيه شي واحد غيث كان يبغى يقوله له وجه لوجه مو في الرسايل.
        واليوم، راح يسوي هالشي.
        
        جلسوا يتكلمون عن اللي صار في الشام وقبيلة الرشيدين. "زين يوم شفناك بعد سنين طويلة. الواحد كان بيحسب إنك نسيتنا يا غيث." مزح خلفان، وعيونه الخضرا ضاقت.
        غيث بلع التمرة اللي توه أخذ منها قضمة، "أنا أرسلت رسايل."
        
        "أوه، أدري، بس مو لي." خلفان ابتسم بخبث.
        "احمد ربك إنه أرسل رسايل؛ لو كنت أنت يا خلفان، كان ودعت ذكرياتنا بعد." جبير رفع حاجب له، وضحكوا الرجال.
        
        "ذكرياتك كانت أول شي." خلفان رمى نواة تمر على جبير، اللي مسكها ببراعة.
        ابتسامة هادية ارتسمت على شفاه غيث بوجود أصدقائه. عيونه راحت لبدر، وطالع في شكله مرة ثانية وهو معبس شوي. بدال السيف اللي غيث كان متعود يشوفه مع بدر؛ كان فيه فأس محفور عليه خنجر صغير على المقبض الخشبي، موجود على يسار بدر. نفس الشفرة اللي القادة يعطونها للفرسان اللي يعدون الاختبارات ويصيرون جنود في جيش الرشيدين. "ليش الفأس يا بدر؟"
        
        "الواحد لازم يتعلم صنعة كل الأسلحة." أصابع بدر لمست الفأس.
        "ما شاء الله، يليق بك." غيث طبطب على كتف بدر.
        
        "ما أعتقد فيه سلاح في هالكون ما يليق به. بدر قاعد يكتشف فن كل الأسلحة من السنة اللي فاتت." أضاف خلفان.
        
        "السنة اللي فاتت؟" غيث استوعب.
        "إي والله، أنت ما تدري." جبير هز راسه، وعيونه على بدر وكأنه يطلب الإذن.
        
        بدر كح. "أختي،"
        "رغد؟" سأل غيث، وهو يتذكر البنت الصغيرة اللي كانت تلحقه عشان يعلمها ركوب الخيل لأن بدر رفض، وقال إنها خطيرة عليها.
        
        بدر أخذ نفس. "إي، هي الحين،" ابتسامة مفاجئة ارتسمت على شفاه بدر. "زوجة فارس الفرسان."
        غيث وسعت عيونه. "الفارس مبارك البركاني؟"
        
        "إي." بدر ضحك.
        "ما فهمت. ما كان فارس هو اللي كان يبغى يهدم هالقبيلة؟"
        
        "ذا وأكثر."
        "أجل ليش رغد زوجته؟"
        
        بدر طالع في غيث وبعدين حكى له التفاصيل اللي ما منها مفر. زواج رغد، الخاين في قبيلة البركان، مساعدة فارس، والتجارة مع قبيلة البركان. "من يوم ما بدأنا التجارة مع البركان، هجمات قطاع الطرق كثرت على هالقبيلة، عشان كذا لازم نطور المهارات."
        "سامحني يا صديقي. ما كنت جنبك." تنهد غيث.
        
        بدر هز راسه. "لك حياتك اللي تعيشها. ما بسامح نفسي لو رجعت عشان تدبر مشاكلي."
        "عشان كذا ما ذكرت شي من هالشي في رسايلك. عشان كذا رسايلك صارت أقصر؟" غيث حط فنجانه الطيني بشويش.
        
        بدر انحنى لقدام، وغيث لاحظ كيف الرجال صار أكبر. صار أعرض كأنه يجهز جسمه يصير جبل لو ضربت مصيبة. "كان معي خالد وجبير وخلفان. لا تقلق."
        غيث عبس بس هز راسه. أشياء كثيرة صارت هنا، وأشياء كثيرة صارت خلال إقامته في الشام عشان يصير تاجر. لو بس يدرون. غيث كان يدري إن الناس تهمس عن طرق تجارته، عن ذكائه في شوارع بغداد، مدينة الحياة، العلم، والحكمة. كان على وشك الغرق في التعاسة لكنه استمر عشان حياة أفضل.
        
        لو بس يدرون.
        "صحيح إنك صرت تاجر مهم في الشام؟" جبير حس بالضيق، وغير الموضوع.
        
        غيث ابتسم. "الطريق قدامي طويل عشان أصير كذا."
        "دايم أنت المتواضع. كلنا سمعنا عن رحلاتك من بدر." قال خلفان.
        
        "الحياة في الشام مختلفة. الناس أكثر وعي." عيون غيث لمعت. "ناس من كل مكان في العالم يجون هناك للتجارة والتعلم."
        ارتفعت حواجب خلفان باستغراب.
        
        غيث هز راسه. "حتى الأديان المختلفة تعيش بسلام ووئام."
        "جد؟" كان جبير اللي سأل.
        
        "كثير من الطلاب من خارج البلاد يسكنون في الشام عشان يتعلمون من علماء المسلمين."
        على هالشي، خلفان حط فنجانه بعد. "ما شاء الله، أكيد حلو العيشة هناك."
        
        "ما أنكر هالشي. بس البيت يختلف. هوا هالقبيلة هادي."
        ضحك جبير. "كذا؟ رجعت أساساً لأن هوا قبيلتك لطيف؟"
        
        غيث طالع في بدر، اللي كان مبتسم، وبصمت طالع في أصدقائه القدامى وهم يتكلمون. "لا، رجعت لأن أمي تمنت ولدها الوحيد يتزوج." الأصدقاء انذهلوا منه، حتى بدر. "قبل كم شهر، أمي أرسلت لي رسالة تعلمني إنها لقت لي عروس بعد سنين من البحث."
        
        ابتسم الرجال بخبث على هالشي.
        غيث كونه الولد الوحيد، أمّه تأكدت إنها تدور له على عروس مثالية. كان مرة فكر برغد، أخت بدر، بس تجاهل الفكرة لما جبير بين إعجابه ونيته يخطبها. غيث كان يحتاج حجة بس عشان يرجع لقبيلته، ولما قرا الرسالة، بدأ يوقف تجارته.
        
        "مين الحرمة؟" سأل بدر باهتمام.
        غيث هز راسه. "ما أدري. أمي تبغى تعلمني لما أقابلها اليوم."
        
        "وافقت خلاص؟" خلفان استفسر.
        غيث بس طالع فيه.
        
        "ما شاء الله يا غيث. زي اسمك، أنت تغدق البركات على أمك." خلفان ابتسم بخجل.
        الرجال ما طولوا في كلامهم، لأن القهوة بردت، وغيث ما كان يقدر يجلس أكثر بدون ما يشوف أمّه. "لازم أمشي الحين."
        
        وقف بدر زي ما وقف غيث. "بمشي معاك لبيتك."
        "يلا، قدام." غيث شاف بدر وهو ياخذ فأسه ويطلع من الخيمة المفتوحة.
        
        
        
        
        
        
        
        
        طرَف بدر عينه على صديقه، لاحظ كيف حواجبه انعقدت. القلق والأسرار اللي غيث يخبيها في عيونه. رغم غيابه خمس سنين، بدر لسى يقدر يقرأ الرجال زي الكتاب المفتوح. بدر كان يدري إن غيث قال لجبير وخلفان بس جزء من الحقيقة؛ كان فيه شي ثاني قاعد يخفيه، شي يغمّق عيونه السودا.
        
        عكسه، غيث كانت عيونه غامقة وأقصر منه بكم إنش. غيث كان نحيل، زي التاجر. تاجر يلبس ثوب أنيق يمسح الرمل بصنادل جلدية. شعره القصير تحت عمامة غامقة وخنجر معلق من خصره.
        بدر كان يشتهي يسأل غيث عن الظلام اللي في عيونه، لكنه كان يدري إن التاجر محتاج يرجع لأمه ويرتاح شوي. راح يسأله قريب ويوفر أي مساعدة ممكن غيث يحتاجها.
        
        بدر استمر يمشي على الجانب الشرقي للقناة، اللي هو ورجال القبيلة سووها بحفر بئر وفتحوها للقبيلة. ببركة الله وموافقة الشيخ فيصل، بدر بدأ يغير القبيلة. تأكد إنه يكون من اللي شكلوا الطوب، وحفروا البئر، وبنوا بيوت الطين.
        ضحك صقر الفرسان لما غيث طالع في القبيلة بذهول وإعجاب. الأصدقاء كملوا طريقهم سيدة، ولما وصلوا لبيت طين من دورين بنوافذ خشبية، تراجع بدر. غيث فهم حركة صديقه، استدار وصافحه. "ارتاح. بنتقابل بكرة." بدر شاف حرمة واقفة عند الباب الخشبي وما بغى يدخل.
        
        "إن شاء الله. في أمان الله." غيث توجه لبيته، وعيونه تلمع.
        "في أمان الكريم،" همس بدر وهو يشوف أم غيث تفتح الباب الخشبي وتضم ولدها الحبيب.
        
        لف بدر يسار باتجاه وسط القبيلة حيث كان بيت الشيخ فيصل. وهو ماشي، رجال القبيلة سلموا عليه بابتسامة أو مصافحة. صقر الفرسان رد تحياتهم بابتسامة من عنده. فرك يدينه من برد الهوا، وهو يتمنى لو لبس ثوب أسمك. لما وصل البيت، بدر انحنى من عند البباب الخشبي وأعلن وجوده. من يوم ما خالد تزوج، بدر دايم يعلن وصوله عشان ما تواجه أخت زوجته، فاطمة، موقف محرج.
        خالد تزوج قبل سبع شهور بعد ما أمهم فقدت الأمل في بدر. أم بدر، من ذاك الوقت، ما فاتت يوم إلا وهي تحرضه يلاقي عروس أو تسمح لها تلاقي له. لكن بدر دايم كان يختار الصمت. صحة أبوه كانت تسوء كل يوم، وواجبات القبيلة تثقل على كتفيه أكثر وأكثر. عنده قبيلة وناس يحميهم. الحرمة بتلاقي صعوبة في إنها تسوي لها مكان في قلبه مع كل اللي قاعد يصير.
        
        ابتسم بدر لما عيونه طاحت على أخته الصغيرة مها وهي تلعب مع سالم، أخوه، في الحوش. دخل البيت، ومن الغرفة الرئيسية، لف يسار باتجاه غرفة أبوه. وقف بدر عند الباب المفتوح وطالع في وجه الشيخ فيصل النايم. وجهه كان شاحب أكثر من أمس، وجسمه أنحف. بتنهيدة، توجه الولد لغرفته لكنه توقف عند الباب.
        
        أمه كانت واقفة عند النافذة الخشبية تنتظره. لما دخل الغرفة، بدر ابتسم وهز راسه، عارف ليش أمه هنا. صقر الفرسان وقف قدام أمه، انحنى لقدام، وباس جبينها. "ما شاء الله، شكلك جميل مرة اليوم يا أمي." ابتسم بخبث لما أمه ضيقت عيونها بمزح.
        الأم والولد يعرفون بعض زين.
        
        "كيفك؟"
        "توك سألتني نفس السؤال لما طلعت لصلاة الفجر." بدر مسك يدها اليمين بشويش، وجلسوا على فراشه في زاوية الغرفة.
        
        "كنت أظن إنك بتكون..." سكتت وهنا بدر عبس، قلقان.
        "وش السالفة يا أمي؟"
        
        "ما دريت للحين؟"
        "أدري وش؟"
        
        "إن غيث بيتزوج." أم بدر قالتها، وصوتها حزين.
        آه! الخبر انتشر، وعشان كذا أمه الحبيبة قلقانة. بدر عض طرف شفته عشان يخفي ابتسامته. "وش المشكلة في كذا؟" فك عقاله.
        
        "بس فكرت إنك بتكون مهتم شوي."
        بدر رفع حاجب على هالشي. "ما فهمت يا أمي."
        
        "غيث قال لك مين عروسته؟"
        "لا يا أمي. كنا مع بعض الفرسان. فكرت بيكون أحسن أسأله لحالي." على نظرتها القلقة كمل. "أنت تدرين؟"
        
        "أنا أدري من زمان." همست أم بدر.
        "والله ما فهمت عليك اليوم يا أمي. قلقتيني." بدر مسح إبهامه على كفوفها.
        
        "الزواج تحدد بعد ثمانية شهور." أمه عصرت أصابعها.
        "طبعاً تدرين هالشي بعد." بدر ضحك.
        
        "الخطبة الأسبوع الجاي." كملت كلامها وهي تتجاهل ملاحظة ولدها.
        "ما شاء الله، هذي والله أخبار زينة." بدر سوى حركة كأنه بيوقف لكنه توقف عند كلامها اللي بعده.
        
        "هي أخبار زينة يا ولدي؟"
        صقر الفرسان حرك جسمه يمين وطالع سيدة في عيونها اللي متضايقة. "ليش ما بتكون أخبار زينة؟ صديقي، أخوي، بيتزوج."
        
        "شوق."
        بدر بلع ريقه.
        
        "شوق. أخت فارس هي عروس غيث يا بدر." أم بدر طالعته.
        بدر ما سمح لأي تعبير يظهر على وجهه. لكن كتفه شد. بين كل الحريم اللي أمه تمنت إنه يتزوج منهم، بنت الشيخ مبارك دايم كانت الحرمة اللي يتمناها جنبه. بدر حتى دعا إن شوق تكون زوجته مرة أو مرتين.
        
        "هذي أخبار زينة والله. هالزواج بيقوي العلاقة بين قبائلنا."
        أمه تنهدت. بدر رمى راسه ورا وضحك.
        
        كانت تدري.
        "كيف دريتي يا أمي الحبيبة؟" جلس مرة ثانية ولف يده على كتفها.
        
        "عيونك ما طالعتني صدق يوم كنت أتكلم عن زواجك. ولا اسم حرمة ثانية أو مواصفاتها لفتت انتباهك. بس لما يجي طاري شوق بنت قبيلة البركان، أنت تنصت يا بدر."
        
        بدر هز راسه بشويش. "لا تقلقين. ما كانت من نصيبي. دايم ندعي بالأفضل. غيث رجال طيب، وأدعي لهم بحياة هادية." شاف الدموع تسبح في عيون أمه. "يا الله يا أمي، لا تكسرين درعي بدموعك." ضمها بقوة أكثر.
        "أنت تنازلت عن قوتك، عن سعادتك عشان هالقبيلة، والحين الحرمة اللي تمنيتها. كيف ممكن يكون عندي ولد مثلك؟ كيف انعم بولد مثلك؟"
        
        بدر حاول يبتسم. "لأنك أمي. لا تقلقين؛ كل شي بيصير تمام." نزلت دمعة من عين أم بدر.
        الفرسان عرف إنها دمعة تتكلم عن صحة الشيخ فيصل، ومرض سالم، وسوء حظ بدر. الولد أخذ نفس عميق، مو قادر يشوف أمه بهالحالة. كان يبغى يوفر لها شوية سعادة على الأقل لو يقدر، وبدر كان يدري إن كلماته الجاية راح تجلب الفرحة لقلبها الذابل.
        
        
        
        
        
        
        
        
        
        
        "خلاص، وش رايك تدورين لولدك عروس؟ أنا موافق أتزوج." باس يدينها. "ولدك صار رجال كبير الحين. لازم يتزوج قبل لا كل البنات الحلوات يروحون لفرسان ثانيين." وهنا، ابتسامة، ابتسامة ما كان يقصدها، ظهرت على وجهه.
        "أنت صدق تتمنى هالشي؟" واجهت ولدها.
        "إي يا أمي. أتمنى. أنا وصلت سن الزواج، وبصفتي قائد هالقبيلة، أحتاج أحد يساعدني." أعلن بدر.
        "آه! يا ولدي." عصرت يدينه، وهي مبتسمة ابتسامة عريضة. "بلقاقي لك عروس تستاهلك. أحد يقدر يسعدك."
        "كأنك رايحة حرب يا أمي." قال بدر بخفة.
        "أنت ما تفهم يا بدر. إيجاد زوجة لأخوك خالد كان سهل. لكن أنت. طبعك، قلبك الكبير، يقلقوني."
        "إذا كذا، أجل عندي إذنك تعلنين الصيد لزوجتي." مرة ثانية، ضحك ضحكة ما وصلت لعيونه وخلت قلبه يدق بقوة.
        وقف بدر، ومسك فأسه. "وين رايح الحين؟ لازم تاكل."
        الفرسان كح. "فرساني يبغون يتناقشون معي في أمر." الكذبة مشت على لسانه وهو يقولها. بدر بصمت طلب المغفرة من ربه. كان لازم يطلع من هنا. بدر كان محتاج يكون لحاله ويفكر.
        "لازم تاكل أول؛ سالم كان يستناك."
        "برجع قريب. لا تستنوني." وبهالكلمة، طلع من الغرفة ومن البيت. وبمجرد ما طلع برا، بدر توجه للإسطبل حيث كان حصانه.
        زمجر الهوا حوالين بدر وهو حصانه يصهل باتجاه الوادي اللي يبعد دقايق عن قبيلة الرشيدين. الفرسان كان يدري إن الوادي فاضي الحين. حريم الرشيدين وقفوا يروحون له يوم انفتحت القناة في القبيلة عشان الموية. بعد ما ركب دقايق، بدر وقف، نزل، وجلس على صخرة كبيرة. الهوا تسلل بجنبه وضحك بخفة. تذكر كيف رغد مرة جلست على نفس الصخرة، عشان تفكر.
        وهو يطالع في الموية اللي تجري على بعد قدم منه، بدر رجع راسه لورا وتنهد. فعلاً، ضايقه إنه يدري إن بنت الشيخ مبارك، شوق، بتكون زوجة غيث لأنه كان قد قرر أخيراً يخبر أمه عشان يخطب شوق بعد ما سجن اللصوص.
        شكله تأخر شوي.
        بدر تنفس وحاول يفرغ عقله من أفكار شوق. الشمس صعدت وهو يطالع في الموية، وهي تتدفق جنبه. سمكة قفزت من الموية ثم غطست مرة ثانية. الشجيرات تتمايل كل ما رقص الهوا حواليه. كان الجو بارد رغم الشمس، لكن برودة مفاجئة في قلبه خلته يمرر أصابعه في شعره.
        كان قد دعا لشوق، لكن هالشي ما صار. بدر كان يدري إن فيه حكمة في مجرى الأحداث اللي عقله البشري ما يقدر يفهمها. هل هو تأخر كثير؟ هل كان لازم يعبر بدري؟ لازم يكون فيه خير في هالشي، وراح يتمنى الأفضل لغيث، صديقه.
        إذا كان يبغى يرجع لقبيلته كقائد، كل هالخواطر لازم تموت هنا.
        بتنهيدة أخيرة، بدر انزلق بنعومة من على الصخرة ومشى لحصانه. الشمس كانت فوق راسه بالضبط، وكان يدري قريب بيصير وقت صلاة الظهر؛ لازم يرجع الحين. صقر الفرسان ركب حصانه ورجع لقبيلة الرشيدين بأفكار مشتتة وقلب حزين.
        حصانه صهل فوق الأراضي المتشققة، وقريب، غيوم سوداء أغلقت من الجبال اللي حواليها مخفية الشمس العظيمة. صرخة نسر خلت بدر يطالع فوق في السما. ضاقت نظرته الحادة لما عرف نسره يحوم فوق قبيلته. بسرعة، قبضت يده على اللجام؛ حث حصانه يركض. فيه شي غلط؛ نسره ما كان بيترك غرفته إلا إذا؛ فيه شي غلط، وكان يشتهي يوصل رسالة.
        بس لما بدر قرب من قبيلته، قلبه دق بقوة، ورعب شديد غلفه بعباءة مخيفة. بدر مسك فأسه بيده وهو يعبر حدود القبيلة، وبدون ما يوقف، الفرسان قفز من حصانه وغرس نصل فأسه في جمجمة أول رجال شافه.
        "لا تخلونهم يقربون زيادة!" صرخ بدر، وهو يمسح الدم من خده اليمين.
         
        

        حراس الإمبراطورية - رواية تاريخية

        حراس الإمبراطورية

        2025,

        مغامرات

        مجانا

        في مهمة خطيرة لإنقاذ الأمير إدريس وحماية الإمبراطورية من تهديد العدو "هاكار" وخريطته الغامضة. يواجهون تحديات الصحراء القاسية، وتزداد المهمة تعقيدًا مع اختطاف الأمير، مما يجبرهم على استغلال مهاراتهم الفردية في عملية إنقاذ جريئة. تتخلل الأحداث توترات شخصية، خاصة بين زيد وليلى بسبب مأساة سابقة، لكنهم يتجاوزون خلافاتهم من أجل المصلحة العليا للإمبراطورية، ويكتشف الأمير الصغير شجاعته وقوته الحقيقية وسط هذه المحن.

        زيد

        قائد المهمة يحمل عبء ذنب من الماضي يتعلق بليلى وأخيها. هو موضع ثقة السلطان، وتعتمد عليه الإمبراطورية في مهمتها الحاسمة.

        ليلى

        مرشدة ماهرة وخبيرة بالصحراء والنجوم. تحمل غضبًا تجاه زيد بسبب حادثة أليمة أدت إلى وفاة أخيها. على الرغم من ذلك، توافق على مساعدة زيد من أجل الإمبراطورية.

        الأمير إدريس

        ابن السلطان، صبي يبلغ من العمر 12 عامًا. يحمل على عاتقه مستقبل الإمبراطورية بسبب خريطة مرتبطة به. يظهر عليه الخوف والتردد في البداية، لكنه يبدأ في اكتشاف شجاعته وقوته الداخلية خلال الرحلة.
        تم نسخ الرابط
        حراس الإمبراطورية - رواية تاريخية

        0:00 0:00
         بين ممالك عظيمة وظلال الأعداء المتربصين، تنطلق رحلة مصيرية. وسط هذا العالم المليء بالأسرار والمخاطر، يصبح بقاء إمبراطورية عريقة مرهونًا بحماية أمير صغير وخريطة غامضة
         
         وقف زيد ساكنًا في حجرة السلطان، وقفته ثابتة، كتفاه العريضان منتصبتان، وقبعته محكمة بين يديه. الغرفة، رغم عظمتها، كانت تشع بمهابة. الأصوات الوحيدة كانت حفيفًا خافتًا لستائر الحرير التي ترفرف في النسيم، وطنينًا بعيدًا للحياة في المدينة خلف أسوار القصر.
        
        كان السلطان، مهيبًا وآمرًا، يسير أمامه. ثوبه المطرز بالفضة كان يحف الأرض بهدوء، لكن حركاته السريعة والمقصودة كانت تخفي إحساسًا بالإلحاح. رغم حضوره المهيب، كان جبينه متجعدًا، وعيناه تحملان عمقًا من التعب – إرهاقًا يدل على التهديد الوشيك الذي يحدق بإمبراطوريتهم.
        
        "زيد،" بدأ السلطان، صوته منخفض لكنه مثقل بجدية كلماته. "ما كنت لأطلب منك هذا لو كان هناك أي سبيل آخر."
        
        "لقد وثقت بي من قبل يا صاحب الجلالة،" أجاب زيد بنبرة هادئة وثابتة. "ولم أخيّب ظنك أبدًا."
        
        أومأ السلطان بجدية، لكن القلق ظل في نظراته. "هذه المهمة تختلف عن أي مهمة أخرى. ابني، الأمير إدريس، يجب أن يؤخذ إلى مكان آمن – بعيدًا عن الإمبراطورية، بعيدًا عن متناول أعدائنا."
        
        جالت عينا زيد الحادتان نحو الصبي الواقف بهدوء في زاوية الغرفة. لم يكن إدريس يتجاوز الاثني عشر عامًا، لكن وقفته كانت مستقيمة، وتعبيره هادئ بشكل غير معتاد بالنسبة لسنه. ومع ذلك، استطاع زيد أن يرى الارتعاش الخفيف في يدي الصبي، والتردد الذي يرتسم في عينيه.
        
        "الفتى يحمل عبئًا لا يفهمه بعد،" تابع السلطان، وصوته غليظًا بالقلق. "العدو يبحث عن خريطة مرتبطة ببقاء إمبراطوريتنا. تلك الخريطة مرتبطة به. إذا أسروه..." توقف، وثقل التهديد غير المنطوق يخيم في الجو.
        
        أمال زيد رأسه، وتعبيره ثابت. "إلى أين تريدني أن آخذه؟"
        
        "إلى جبل الرماد، بعيدًا في الجنوب،" قال السلطان، وصوته حازمًا. "قليلون فقط يعرفون موقعه، وقليلون جدًا يمكنهم الوصول إليه. ستحتاج إلى التحرك بسرعة، دون لفت الانتباه. بقاء هذه الإمبراطورية يعتمد على ذلك."
        
        لم تتردد نظرة زيد. "اعتبر الأمر منتهيًا."
        
        تقدم السلطان، ويده الكبيرة الخشنة استقرت بحزم على كتف زيد. "أثق بك يا زيد. الله شاهد – لا أثق بأحد أكثر منك."
        
        كانت شوارع المدينة صامتة بشكل غريب تحت غطاء الليل. قاد زيد إدريس عبر الأزقة المتاهة، وعيناه الحادتان تمسحان الظلال، منتبهتين لكل حركة. القمر كان منخفضًا في السماء، يلقي وهجًا فضيًا ناعمًا على الدروب المرصوفة بالحصى، ولكن حتى أضعف أصوات الليل بدت خافتة في السكون المتوتر.
        
        "ابق قريبًا،" تمتم زيد للصبي، الذي أومأ بصمت، وشكله الصغير بالكاد مرئي في الظلام.
        
        وصلا إلى الإسطبلات، حيث كان حصانان ينتظران. ساعد زيد إدريس على امتطاء أحدهما قبل أن يصعد هو على الآخر. كانت الخيول تتحرك بقلق في هواء الصحراء البارد، مستشعرة التوتر الذي خيم في الجو كضباب كثيف.
        
        بينما شد زيد اللجام، مستعدًا للانطلاق، ناداه صوت من الظلال، مما أفزعه.
        
        "مغادرًا دون توديع؟"
        
        تنهد زيد في داخله، وشد فكه، واستدار ليرى صديقه المقرب رشيد يخرج إلى ضوء القمر، ابتسامته العريضة لا تخطئها العين. خرجت أخته التوأم، رانيا، من خلفه، وذراعاها متقاطعتان بإحكام على صدرها، وتعبيرها أكثر جدية مما اعتاد عليه.
        
        "ماذا تفعلان هنا؟" سأل زيد، والضيق يتسرب إلى صوته.
        
        "يمكننا أن نسألك نفس الشيء،" قال رشيد، متكئًا بلا مبالاة على عمود قريب، وابتسامته تزداد اتساعًا. "التسلل خارج المدينة مع ابن السلطان؟ يبدو كمغامرة. وأنت تعلم كم نحب المغامرات."
        
        "هذه ليست لعبة،" نطق زيد بحدة، صوته قاسٍ.
        
        تقدمت رانيا، ونبرتها هادئة لكنها مُلحة. "نعلم ذلك. وهذا بالضبط السبب الذي يجعلك تحتاج إلينا. قد تكون قويًا يا زيد، لكنك لا تستطيع حمايته بمفردك."
        
        انفرجت شفتا زيد وهو يهم بالاعتراض، لكن رشيد قاطعه بيد مرفوعة. "هيا يا زيد. أنت تعلم أننا مفيدون. علاوة على ذلك، لن تستطيع التخلص منا حتى لو حاولت."
        
        تنهد زيد بشدة، وثقل الموقف يضغط عليه. كان يعرف هذين الاثنين جيدًا. كانا عنيدين، وقادرين، ومتهورين بعض الشيء. لكنه لم يستطع أن ينكر فائدتهما – والآن، أدرك، لم يكن لديه خيار سوى قبول مساعدتهما.
        
        "حسنًا،" تمتم زيد، مستسلمًا. "لكنكما تتبعان قيادتي. لا تشتيت. ولا تعيقاني."
        
        كانت ابتسامة رشيد واسعة ومليئة بالمكر. "لن أحلم بذلك."
        
        دخل إلى الإسطبل، تبعته رانيا.
        
        "السلطان لن يمانع استعارتنا لخيوله، أليس كذلك؟" سأل بابتسامة بريئة.
        
        قلبت رانيا عينيها. "لن نسرق خيول السلطان يا رشيد. يمكننا استخدام جمالنا."
        
        "أوه، هيا الآن. الجمال ليست رائعة وقوية مثل الخيول – أعني، انظر إلى هذه الخيول العربية الأصيلة،" أجاب رشيد.
        
        "نعم، نعم، لكن الجمال أكثر ملاءمة للصحراء،" قالت رانيا.
        
        "آها! لكننا ذاهبون إلى الجبال! لذلك سنحتاج إلى الخيول الآن، أليس كذلك؟" صفق رشيد بيديه بفرح.
        
        عبس زيد. "كيف عرفت إلى أين نحن ذاهبون؟"
        
        
        
        
        
        
        هز رشيد كتفيه. "حسنًا يا أخي، أنت لا تأخذ الكثير من القبعات إلا عندما تشرع في رحلة طويلة." وأشار إلى كثرة قبعات الفيدورا المعلقة بحزام حصان زيد.
        "وبالإضافة إلى ذلك، البوصلة على خصرك تشير جنوبًا، ولا توجد سوى جبال في الجنوب."
        
        سخر زيد بخفة. "أنت شديد الملاحظة أكثر من اللازم."
        
        ابتسم رشيد بفخر. "أنا عبقري، بعد كل شيء."
        
        شخرت رانيا. "تواضع يا رشيد. غرورك سيكون سبب سقوطك."
        
        رمقها زيد بنظرة استياء. "هل عليك دائمًا أن توبخي الناس؟"
        
        "توقفا كلاكما،" قاطع زيد. "علينا أن نكون هادئين إذا أردنا المغادرة دون أن نلاحظ."
        
        بينما امتطوا خيولهم وخرجوا من المدينة، ارتفعت نظرة زيد نحو القصر، حيث كان ظل القلعة الضخم يتراجع خلفهم. كانت رياح الصحراء الباردة تضرب وجوههم، لكن زيد لم يستطع التخلص من الشعور بأن هذه المهمة ستصبح أكثر تعقيدًا مما توقعه.
        
        امتدت الصحراء بلا نهاية أمامهم، ولم يكسر اتساعها سوى التكوينات الصخرية العرضية ووشوشة الريح عبر الرمال. أضاء ضوء القمر طريقهم، ملقيًا بظلال طويلة بينما كان زيد وإدريس ورشيد ورانيا يركبون في صمت متوتر. كان الهواء كثيفًا برائحة الغبار ولسعة ليل الصحراء القاسية.
        
        كانت عينا زيد تتحركان ذهابًا وإيابًا، تمسحان الأفق. كانوا يركبون لساعات، وكأن الكثبان الرملية التي لا نهاية لها تمتد إلى الأبد، ومع ذلك، لم يكن هناك أي أثر للعدو. لكن زيد كان يعلم أفضل من أن يعتقد أنهم آمنون. فالعدو لديه جواسيس في كل مكان.
        
        وبينما كانوا يركبون عبر وادٍ ضيق بين جرفين، أبطأت رانيا، اليقظة دائمًا، حصانها ورفعت يدها. "هل ترون ذلك؟" سألت، وصوتها بالكاد مسموع.
        
        ضيق زيد عينيه في الأفق. كان هناك شكل صغير يركض على حافة الوادي، يتحرك بسرعة وبشكل غير منتظم، وكأنه مطارد. تعثر الشكل، ثم استقام، ينظر فوق كتفه وكأنه يتوقع أن يتم الإمساك به في أي لحظة.
        
        "ابعدوا المسافة،" أمر زيد، بنبرة حادة. "قد يكون فخًا."
        
        لكن رشيد، المتهور دائمًا، انحنى إلى الأمام في سرجه، وعيناه تلمعان بالفضول. "أو قد يكون شخصًا يحتاج إلى المساعدة. هيا يا زيد، لا تكن مشبوهًا إلى هذا الحد."
        
        ضيق زيد نظره الحاد. "هذا ليس وقتًا للرحمة يا رشيد. لا نعرف من هي."
        
        ولكن حتى وهو يقول ذلك، دفعته غريزته إلى الأمام. كانت الشخصية تتحرك بسرعة، خطواتها يائسة، أنفاسها متقطعة. كان هناك شيء ما في حركاتها لم يكن صحيحًا. لم تكن مجرد تجري - كانت تهرب من شيء ما. أو شخص ما.
        
        بتذمر من الإحباط، دفع زيد حصانه إلى الأمام، وعيناه تتجهان إلى إدريس والتوأمين. "ابقوا قريبين. إذا كان هذا فخًا، فسنتعامل معه بسرعة."
        
        أغلقوا المسافة بسرعة، وعندما اقتربوا، استدارت الشخصية، وعيناها واسعتان من الخوف. كانت شابة، شعرها الداكن أشعث، وملابسها الصحراوية البسيطة ممزقة ومتسخة، وكأنها كانت تركض لأيام. نظرت إليهم، فزعة، وللحظة، بدا أن الزمن يتباطأ.
        
        "أرجوكم،" تنهدت، وصوتها أجش. "عليكم أن تساعدوني."
        
        لجم زيد حصانه، وضاقت عيناه وهو يدرسها بعناية. "من أنتِ؟ ما الذي يحدث؟"
        
        خطت المرأة خطوة نحوهم، وعيناها ترتعدان بخوف خلفها. "اسمي أميرة،" قالت، وصوتها يرتجف. "أنا... أنا عبدة. هربت من أحد معسكرات هاكار. إنهم... إنهم يطاردونني."
        
        تبادل التوأمان النظرات، لكن زيد رفع يده، أسكتهما. درس أميرة بتركيز، يزن كلماتها. كان خوفها واضحًا، وشيء في عينيها أخبره أنها لا تكذب. كان هناك نوع من الخامة في يأسها، أصالة لا يمكنه تجاهلها.
        
        "هاكار إذن... لقد أسرك العدو؟" سأل زيد، وصوته يلين قليلاً.
        
        أومأت أميرة بسرعة. "نعم. إنهم... يخططون لغزو أراضيكم. سمعتهم يتحدثون عن خريطة - خريطة تقود إلى كنوز مخبأة. إنهم بحاجة إليها، ويعتقدون أنني أعرف شيئًا عنها. لكنني لا أعرف - أقسم أنني لا أعرف. أنا فقط أعرف أنهم سيستخدمونها لتدمير كل شيء في الإمبراطورية."
        
        اشتدت نظرة زيد، وتبادل نظرة قصيرة ومتوترة مع رشيد ورانيا. خريطة مرتبطة ببقاء الإمبراطورية، كنوز مخبأة، والعدو يستخدمها لإحداث الفوضى - كل ذلك يتوافق تمامًا مع ما قاله له السلطان.
        
        نظر إليها زيد بحذر. "مرحب بك للانضمام إلينا، ولكن يجب أن تعلمي أنه ليس لدينا وقت للتشتت. إذا رأيتِ شيئًا، أو سمعتِ شيئًا، يجب أن تتكلمي الآن."
        
        ألقت رانيا على زيد نظرة تقول "كيف يمكننا أن نثق بها" لكن زيد تجاهلها وعدل قبعته. وهذا يعني أنه كان يعرف ما يفعله. تنهدت وعادت لتنظر إلى أميرة.
        
        نظرت أميرة من زيد إلى إدريس، ولانت نظرتها عندما التقت عينا الأمير. ابتلعت بصعوبة، وكأنها تستجمع قوتها. "شكرًا لك. سأساعد قدر استطاعتي. إنهم معسكرون إلى الجنوب من هنا مباشرة. إذا واصلتم طريقكم الحالي، فسوف يجدونكم. لديهم كشافة في كل مكان - جواسيس، مخبرون. ستسيرون مباشرة إلى فخهم."
        
        شد زيد فكه. كان قد اشتبه في ذلك. لطالما كان الطريق إلى الجبل الخفي محفوفًا بالخطر، لكنه الآن بدا أكثر غدرًا.
        
        "إذن ماذا تقترح أن نفعل؟" سألت رانيا.
        
        "أعرف طريقًا،" قال زيد، صوته منخفضًا. "لكنه ليس آمنًا. هناك غابة أمامنا - تسمى الغابات المظلمة. إنها مليئة بالحيوانات البرية، ويقولون إنها المكان الذي تقطن فيه قوى الشر. سآخذكم عبرها، لكننا لا نستطيع المرور دون مساعدة. هناك طريقة واحدة فقط للتنقل فيها بأمان."
        
        رمشت رانيا في حيرة، وعيناها تبحثان في وجهه. "وهذا هو المكان الذي نحتاج للذهاب إليه؟"
        
        أومأ زيد، ونظرته بعيدة. "نعم، لكن لا يمكنني أن أرشدنا عبر الغابة بمفردي. الوحيدتان اللتان تعرفان كيفية التنقل فيها هما أم صفية وليلى."
        
        "من؟" سألت أميرة.
        
        تردد رشيد، "حسناً، إنهما صديقتان... عاشتا على الجبل لسنوات كما تعلم، وهما الوحيدتان اللتان يمكنهما قيادتنا بأمان عبر الطريق الغادر."
        
        اتسعت عينا أميرة بالفهم. "إذن يجب أن نذهب إليهما."
        
        شد زيد شفتيه. "نعم. أعتقد ذلك. سيتعين علينا أن نسلك الطريق الأطول والأكثر خطورة للوصول إلى هناك. الأعداء يقتربون، وليس لدينا الكثير من الوقت."
        
        نظر زيد إلى رفاقه - إدريس، رشيد، ورانيا - وبدون كلمة، امتطوا جميعًا خيولهم، مستعدين للرحلة الطويلة نحو جبل أم صفية وليلى. كانت الصحراء شاسعة، لكن الوقت لم يكن في صالحهم، وكانوا بحاجة إلى كل ميزة يمكنهم الحصول عليها.
        
        بينما كانوا يركبون في الليل، والرياح تزداد قوة وتثير رمال الصحراء، لم يستطع زيد إلا أن يشعر أن الرحلة الحقيقية قد بدأت للتو. الغابة المظلمة كانت مكانًا قليلون من تجرأوا عليه، وأقل منهم عادوا. لكنها كانت أملهم الوحيد.
        
        
        
        
        
        
        
        
        
        امتدت الصحراء بلا نهاية، محيط شاسع من الكثبان الذهبية تتلألأ تحت نظرة الشمس القاسية. عدلت ليلى حزام حقيبتها وشدت الوشاح حول وجهها، وعيناها الحادتان تمسحان الأفق. من مكانها العالي فوق الجبال، كان بإمكانها رؤية كل شيء – الصحراء اللانهائية، الجبال في الأفق، القرية البعيدة بالأسفل، والخط الباهت حيث يلتقي الأفق بالسماء.
        
        كان هذا ملاذها، جبلها. النجوم في الأعلى كانت رفيقاتها، والرمال المتحركة بالأسفل لوحتها. ومع ذلك، حتى ثبات عالمها بدا هشًا اليوم.
        
        "ليلى!"
        
        كسر الصوت شرودها. استدارت لترى والدتها، أم صفية، تقف خلفها، ذراعاها متقاطعتان ونسر جاثم بلا مبالاة على كتفها. كان حضورها، كالعادة، يشع بسلطة هادئة لا تستطيع حتى المخلوقات الأكثر جموحًا مقاومتها.
        
        "هل كنتِ تراقبين السماء طوال اليوم مرة أخرى؟" سألت أم صفية، نبرتها نصف عتاب ونصف حنان.
        
        ابتسمت ليلى بخبث. "ليس طوال اليوم، فقط منذ الفجر. السماء صافية بشكل غير عادي – إنه الوقت المثالي لتحديث خرائط النجوم الخاصة بي."
        
        تنهدت والدتها، واقتربت لتنظر إلى الرق المتهالك في يدي ليلى. كانت الخطوط المعقدة للكوكبات مضاءة بضوء الشمس الخافت. "النجوم ستبقى دائمًا هناك يا ليلى. لكن ما هو قادم على الأرض لا يمكن تجاهله."
        
        عبست ليلى. كانت كلمات والدتها الغامضة غالبًا ما تخفي حكمة لن تقدرها إلا لاحقًا. "ماذا تقصدين؟"
        
        "هناك همسات حرب،" قالت أم صفية، وصوتها ينخفض. "رجال من الجنوب يتحدثون عن جيش عدو يقترب من حدود الإمبراطورية. هاكار يسمون قائدهم. يقولون إنه يبحث عن شيء – شيء مرتبط بالسلطان."
        
        شعرت ليلى بقشعريرة تسري في عمودها الفقري رغم حرارة الصحراء. "ماذا يمكن أن يريدوا من السلطان؟ الإمبراطورية واسعة وقوية."
        
        "القوة لا تعني شيئًا بدون وحدة،" قالت أم صفية بهدوء. "والوحدة هشة مثل كثيب رمل في الريح."
        
        قبل أن تتمكن ليلى من الرد، وصل صوت خافت لحوافر الخيل إلى أذنيها. تيبست، وتحركت يدها غريزيًا إلى الخنجر عند حزامها. الزوار كانوا نادرين في هذا الارتفاع من الجبل، والزوار غير المتوقعين عادة ما يعنون المتاعب.
        
        "ابقِ هنا،" أمرت والدتها، وصوتها حازم لكنه هادئ. سلمت ليلى النسر الجاثم على كتفها. "وراقبي السماء."
        
        عند سفح الجبل...
        
        كان وجه زيد غير مقروء كالعادة، وعيناه الداكنتان تمسحان مسار الجبل الوعر بدقة. كان ابن السلطان، إدريس، يجلس بشكل غير مريح على حصانه خلفه، يعبث باللجام.
        
        "هل أنت متأكد أن هذه فكرة جيدة؟ هي ليست على أفضل وفاق معك بعد كل شيء،" سأل رشيد، وصوته بالكاد مسموع.
        
        تنهد زيد ببطء. "ليس لدينا خيار آخر، أليس كذلك؟"
        
        استدار إلى رشيد ورانيا. "انتظرا هنا. سأقابلهما أنا وإدريس بمفردنا،" أمر.
        
        تأفف رشيد. "لماذا لا؟ كيف؟ لماذا بحق الأر—"
        
        دفعته رانيا قليلاً. "حتى لا تحرجه كما تفعل دائمًا،" شخرت.
        
        شهق رشيد. "أرجو المعذرة؟" استدار إلى زيد، آملًا أن يختلف معه، لكن النظرة المذنبة على وجه زيد أثبتت العكس.
        
        تأوه. "حسنًا، اذهب بمفردك إذن."
        
        أومأ زيد وتوجه أبعد نحو سفح الجبل.
        
        وصلا إلى سفح جبل خالد، حيث ظهرت شخصية من الظلال. كانت أم صفية تنتظر، وحضورها مهيب رغم هدوء تصرفاتها.
        
        "زيد،" رحبت به ببرود، وعيناها تنظران إلى الصبي خلفه. "لقد جلبت رفاقًا."
        
        "السلام عليكم يا أم صفية،" أجاب زيد بإيماءة. "أحتاج أن أرى ليلى."
        
        رفعت أم صفية حاجبها. "أنت لست مرحبًا بك هنا تمامًا يا زيد. أنت تعلم ذلك."
        
        "أعلم... أنا لست هنا لاستقبال حار،" قال زيد، وهو ينزل من حصانه. "أحتاج مساعدتها."
        
        قبل أن تتمكن أم صفية من الرد، قطع صوت آخر التوتر.
        
        "لديك بعض الجرأة للعودة إلى هنا."
        
        كانت نبرة ليلى حادة، وشكلها النحيل يظهر كظل على خلفية الصخور بينما كانت تنزل مسار الجبل. كانت معطفها الطويل الأشعث ينسدل خلفها، وعيناها تحترقان بغضب بالكاد مخفي. كانت ليلى امرأة قصيرة، غامضة ومع ذلك صريحة. كانت عيناها بلون بني. بني فاتح مثل رمال الصحراء التي قبلتها الشمس.
        
        "ليلى." تنهد زيد.
        
        "لا تقل لي 'ليلى'!" صاحت، وشدت يدها على حزام حقيبتها. "ماذا تريد؟"
        
        "أحتاج مرشدًا،" قال زيد ببساطة.
        
        أطلقت ليلى ضحكة مريرة. "مرشدًا؟ جئت كل هذه المسافة لتطلب مني أن أرشدك؟ بعد ما حدث في المرة الأخيرة؟"
        
        شد زيد فكه، لكنه لم يرد.
        
        تقدمت أم صفية بينهما، وصوتها هادئ لكنه حازم. "كفى. أيًا كان التاريخ الذي تتشاركان فيه، الآن ليس وقت إعادته. ما هذا الأمر يا زيد؟"
        
        نظر زيد إلى إدريس، الذي تحرك بشكل غير مريح تحت ثقل نظراتهما. "هذا ابن السلطان، يحتاج إلى أن يؤخذ إلى جبل الرماد. الطريق الرئيسي مسدود من قبل العدو. أحتاج أن أسلك الطريق الخفي عبر الغابة."
        
        تجمدت ليلى، وضاقت عيناها. "الغابة المظلمة؟ أنت مجنون. لن تتمكن من المرور."
        
        "ليس بدون مساعدتك،" قال زيد.
        
        هزت ليلى رأسها، واشتد تعبيرها. "ابحث عن شخص آخر. لن أخاطر بحياتي من أجلك - أو من أجل أي شخص آخر."
        
        "هذا ليس عني،" قال زيد، صوته هادئ لكنه ثابت. "هذا عن الإمبراطورية. إذا وقع الصبي في الأيدي الخطأ، فلن تكون حياتي وحدها على المحك - بل حياتك، وحياة والدتك، وحياة الجميع."
        
        ترددت ليلى، وثقل كلماته يغوص فيها. نظرت إلى والدتها، التي أومأت قليلاً.
        
        "أنا لا أدين لك بشيء يا زيد،" قالت أخيرًا، وصوتها بارد. "لكني سأفعلها - من أجل الإمبراطورية، وليس من أجلك."
        
        أمال زيد رأسه. "هذا كل ما أطلبه."
        
        بينما استدارت ليلى لتستعد، انقبض قلبها. ذكريات ضحكات أخيها الأصغر - من اليوم الذي جاء فيه زيد إلى جبلها طالبًا مساعدتها - تومض في ذهنها. دفعتها بعيدًا. هذا لم يكن عن الماضي.
        
        أو هكذا قالت لنفسها.
        
        صعدت المسار الصخري عائدة نحو منزلها الصغير، قبضتاها مشدودتان. كل خطوة بعيدًا عن زيد بدت وكأنها محاولة للهروب من سيل الذكريات التي تهدد بإغراقها.
        
        
        
        
        
        
        
        
        كان اليوم الذي وافقت فيه على مساعدته في مطاردة هارب خطير من المفترض أن يكون رحلة بسيطة - رحلة تحولت إلى كابوس. كانت لا تزال ترى ابتسامة أخيها الأصغر المشرقة وهو يصر على الانضمام إليهما. "أريد أن أرى العالم مثلك يا ليلى،" قال، وصوته مليء بالإثارة.
        
        هزت رأسها وكأنها تريد أن تتخلص من الذكرى. تلك الرحلة نفسها أودت بحياة أخيها. وعلى الرغم من القبض على الهارب، إلا أن الخسارة كانت لا تطاق. صمت زيد بعد ذلك بدا وكأنه خيانة. لا اعتذار، ولا اعتراف بالألم الذي سببه.
        
        "ليلى." أعادتها صوت والدتها إلى الحاضر.
        
        "ماذا؟" صاحت ليلى، ثم هدأت عندما رأت نظرة والدتها التي تعرف كل شيء.
        
        درستها والدتها للحظة قبل أن تتحدث. "هذا اختبار من الله. لا تدعي غضبك يحجب حكمك."
        
        تنهدت ليلى، وارتخت كتفاها. "هل تظنين أنني لا أعلم ذلك؟ لكن رؤيته مرة أخرى - كأنها تمزيق جرح قديم."
        
        "أفهم." تقدمت أم صفية، ووضعت يدًا مطمئنة على كتف ابنتها. "لكن في بعض الأحيان، نُدعى إلى التسامي فوق ألمنا من أجل شيء أعظم. هذا ابن السلطان، وإذا كان هذا الموقف مهمًا كما يدعي زيد، فعليك أن تفكري في المصلحة العليا."
        
        أومأت ليلى على مضض. "سأفعل ذلك. لكنني لن أغفر له."
        
        "المغفرة ليست له - إنها لكِ،" قالت أم صفية بلطف.
        
        هزت ليلى كتفيها بلا مبالاة واستدارت للاستعداد للرحلة.
        
        انتظر زيد عند سفح جبل خالد، وتعبيره لا يزال غير مقروء كالعادة. جلس إدريس في مكان قريب، يركل الرمال بحذائه بلا مبالاة.
        
        "لا يبدون متحمسين لرؤيتك،" قال إدريس، كاسرًا الصمت.
        
        "الأمر معقد،" رد زيد بلهجة مقتضبة. لم يكن ليشرح ما حدث لصبي يبلغ من العمر 12 عامًا.
        
        رفع إدريس حاجبًا. "لديكما تاريخ، أليس كذلك؟"
        
        ألقى زيد نظرة حادة، لكن الصبي لم يرتعش. "ركز على المهمة التي أمامنا يا إدريس. هذا ليس عني أو عن ليلى."
        
        قبل أن يضغط إدريس أكثر، لفت انتباههما صوت خطوات. ظهرت ليلى من الممر، وحقيبتها متدلية على كتفها وقوس مثبت على ظهرها. كان وجهها يعلوه قناع من التصميم، على الرغم من أن عينيها خانتا عاصفة المشاعر الكامنة.
        
        "أنا جاهزة،" قالت بحدة. خرجت أم صفية من خلفها.
        
        "وأنا ذاهبة أيضًا، لن أفقد اثنين من أبنائي على يديك،" رفعت حاجبيها.
        
        بلع زيد ريقه وأومأ، ثم امتطى حصانه. "علينا أن نغادر على الفور."
        
        التفتت ليلى إلى إدريس. "كم عمرك؟ هل يمكنك الركوب؟"
        
        تردد إدريس، ثم أومأ. "عمري 12 عامًا هذا العام. لست خبيرًا، لكنني سأتدبر الأمر."
        
        "حسنًا، التزم بالقرب،" قالت ليلى، وصوتها يلين قليلاً. "ولا تبتعد. الصحراء لا ترحم."
        
        أومأ إدريس، وبدا عليه الارتياح الواضح من لطفها.
        
        صعدت أم صفية على حصانها بينما ساعدها زيد في تعليق حقيبة مؤنها على الحصان.
        
        بينما بدأت المجموعة رحلتها، كان التوتر بين ليلى وزيد ملموسًا. لحق رشيد ورانيا، اللذان كانا يسيران على مسافة قصيرة خلفهما، أخيرًا بهما.
        
        "انتظرا!" نادى رشيد، وصوته خفيف ومرح.
        
        ابتسمت ليلى بخبث، "يا إلهي. ماذا يفعل هنا؟"
        
        "قصة طويلة،" تمتم زيد.
        
        "لم نتمكن من ترك زيد يستمتع بكل المتعة،" قال رشيد بابتسامة، وهو يهرول بجانبهما. "بالإلى أنكما ستحتاجان إلى مساعدتنا. أعني، هل يمكنكما أن تتخيل زيد يحاول الحفاظ على خفة الظل؟ الرجل عبارة عن سحابة رعدية متنقلة."
        
        قلبت رانيا عينيها. "تجاهليه. نحن هنا لأننا مفيدون."
        
        حيّت ليلى رانيا بابتسامة وأشارت إليها بالاقتراب.
        
        كانت ليلى تعرف التوأمين منذ فترة. كانت ليلى ورانيا تتعلمان معًا في مركز تعليم المساجد بالقرب من منزل رانيا. كانت لديهما رابطة قوية ووجدتا كلاهما متعة في إزعاج رشيد.
        
        لاحظت امرأة تركب مع رانيا. "من هي؟" التفتت إلى زيد.
        
        "فتاة عبدة، من أحد معسكرات هاكار،" أجاب بصوت منخفض.
        
        سخرت ليلى، "هاكار؟ العدو؟ أنت تثق بأي شخص، أليس كذلك؟"
        
        شد زيد أسنانه لكنه تجاهلها.
        
        مررت أم صفية نظرة إلى ليلى تخبرها ألا تقول أي شيء آخر.
        
        ركب رشيد ورانيا خلفهما يتجادلان حول من يمتلك أفضل حصان بينما ركبت أميرة بجانب أم صفية التي استغلت الوقت للتعرف عليها.
        
        نظرت ليلى بين التوأمين وهما يتجادلان، الفتاة العبدة، الأمير وزيد، غير متأكدة ما إذا كانت تشعر بالتسلية أم بالضيق. "هذا بدأ يبدو وكأنه قافلة أكثر من كونه مهمة سرية."
        
        "سوف يزداد سوءًا،" تمتم زيد تحت أنفاسه، على الرغم من أن شفتيه ارتجفتا فيما قد يكون ظل ابتسامة خبيثة.
        
        حل الظلام.
        
        نصبت المجموعة مخيمها تحت مجموعة من أشجار النخيل، وكانت السماء أعلاه حافلة بالنجوم.
        
        قُسّم المخيم إلى قسمين. مكان على اليمين للنساء وعلى اليسار للرجال. وخلق حاجزًا كثيفًا من الصبار البري بينهما.
        
        جلست ليلى بعيدًا عن الآخرين، ترسم الأبراج بعناية على ورقة جديدة من الرق.
        
        "ما زلت تفعلين ذلك؟" أزعجها صوت زيد وهو يقترب منها. كان يحمل في ذراعيه عصيًا لتغذية النار.
        
        نظرت إليه لترى أنه يقف على بعد أقدام قليلة، وتعبيره غير مبال كالعادة.
        
        "لماذا لا أفعل؟" أجابت، ونبرتها حادة.
        
        تردد زيد، ثم جلس على مسافة قصيرة منها. "خرائطك كانت دائمًا دقيقة. أفضل من معظم رسامي الخرائط الذين عملت معهم."
        
        امتعضت ليلى من الإطراء، غير متأكدة ما إذا كان حقيقيًا أم خدعة. "هل من المفترض أن ينسيني ذلك ما حدث؟"
        
        "لا،" قال زيد بهدوء. "لا أتوقع منك أن تنسي. أو أن تغفري."
        
        "جيد،" صاحت، وعادت تركز على خريطتها.
        
        امتد الصمت بينهما، مثقلاً بكلمات غير منطوقة. أخيرًا، تحدث زيد مرة أخرى. "كنت مسؤولًا عن سلامة أخيك، وفشلت. حملت هذا الذنب كل يوم منذ ذلك الحين."
        
        تجمدت ليلى، وقلمها معلق فوق الرق. لم تنظر إليه، لكن صوتها كان مشدودًا عندما تحدثت. "الذنب لا يعيده."
        
        "أعلم،" قال زيد. "لكنني أحاول إصلاح الأمور الآن. من أجل إدريس. من أجل الإمبراطورية."
        
        لم ترد ليلى. ركزت على خريطتها، الخطوط والنجوم المألوفة تجعلها ثابتة بطريقة لا يمكن للكلمات أن تفعلها أبدًا.
        
        "اذهب للنوم يا زيد، أمامنا رحلة طويلة،" قالت أخيرًا وهي تقف وتنفض عن نفسها الغبار قبل أن تتجه إلى الجزء المخصص للنساء من المخيم.
        
        تنهد زيد. "الحمد لله."
        
        استدار ليرى رشيد يطل من خلف شجرة. عبس قبل أن يمر بجانبه دون أن يلاحظه.
        
        "ستتغير الأمور،" ضحك رشيد بعصبية، محاولًا مواساة صديقه.
        
        واصل زيد تجاهله وهو يرمي العصي في النار واحدة تلو الأخرى. ثم أخرج بطانية صوفية صغيرة ونشرها قبل أن يستلقي عليها.
        
        تنهد رشيد واستلقى على الجانب الآخر.
        
        "كل ما يحدث له سبب وجيه،" تثاءب.
        
        
        
        
        
        
        
        
        صباح اليوم التالي
        "هل ستتوقف عن الكلام أبدًا؟" تمتمت رانيا لراشد وهو يشرع في حكاية أخرى عن شجاعته المزعومة.
        
        "هل تبدأين بالحديث أبدًا؟" رد عليها بابتسامة.
        
        قلبت رانيا عينيها وهي تحرك إبريق الشاي أمامها.
        
        نظرت ليلى إليهما باختصار، ابتسامة خافتة تعلقت على شفتيها قبل أن تجبرها على الاختفاء. كان التوأمان يتجادلان دائمًا تقريبًا، لكنهما على الأقل كانا يوفران بعض التشتيت عن أفكارها.
        
        تخلل برودة الليل بينما تفكك المجموعة معسكرها، وأنفاسهم مرئية في هواء الصحراء البارد. كانت الرمال تحت أقدامهم ثابتة وباردة، وحرارة النهار لا تزال بعيدة بساعات. صلوا صلاة الفجر واستعدوا لمواصلة رحلتهم.
        
        وبينما امتطوا خيولهم، رسمت أولى بوادر الفجر الأفق بألوان وردية وبرتقالية باهتة. كشف الضوء عن الأنماط الدقيقة المحفورة في الكثبان الرملية بفعل الرياح – تلال ودوامات بدت أشبه بالخط العربي، وكأن الصحراء نفسها تكتب تاريخها الخاص.
        
        كان الطريق أمامهم ضيقًا ومتعرجًا، لا يحده سوى كتلة عرضية من الشجيرات أو بقايا أشجار ميتة منذ زمن طويل. كان الهواء ثقيلًا بالصمت، لا يقطعه سوى صوت حوافر الخيل الناعمة على الرمال وصيحة بعيدة لصقر يحلق في السماء.
        
        تولت ليلى القيادة، وعيناها الحادتان تمسحان الأفق بحثًا عن أي علامات خطر. وإلى جانبها، حافظ زيد على وتيرة ثابتة، ويده لا تبتعد عن مقبض سيفه. ركب رشيد ورانيا جنبًا إلى جنب، وتخفت مشاجراتهما بفضل هدوء الصباح الباكر. إدريس، الذي لم يكن معتادًا على مثل هذه التضاريس القاسية والسفر، وجد صعوبة في مقاومة البرد القارس.
        
        كانت الصحراء تستيقظ حولهم. سحالي صغيرة تتسلل بين الصخور، وحركاتها سريعة ومتوترة. ظهر قطيع من الغزلان لفترة وجيزة في الأفق قبل أن يختفي خلف كثيب. صعدت الشمس أعلى، تلقي بظلال طويلة عبر الرمال وتغمر العالم بضوءها القاسي.
        
        نظرت ليلى فوق كتفها إلى المجموعة، وتوقفت نظرتها على زيد للحظة أطول مما كانت تنوي. التقت عيناها لفترة وجيزة قبل أن يخفض نظره، وتعبيره مغلق كالعادة.
        
        عادت إلى الطريق أمامها، وشدت قبضتها على اللجام. مهما كان ما يكمن في الغابة المظلمة، كانت تعرف شيئًا واحدًا مؤكدًا: هذه الرحلة لم تنته بعد. كانت الرحلة إلى الغابة طويلة، لكن الرحلة بعدها أطول.
        
        الوصول إلى القرية
        ساد الهدوء حتى الظهر حيث اقتربوا من قرية كبيرة في وسط الصحراء.
        
        كانت القرية تلوح في الأفق بينما كانت الشمس تنخفض في السماء، تلقي بظلال طويلة عبر رمال الصحراء. بدت جدرانها الطينية متينة ولكن بالية، دليلًا على سنوات من العواصف الرملية وصيفات حارة. بينما اقتربت المجموعة من البوابة، أبطأت ليلى حصانها وأشارت للآخرين بالتوقف.
        
        "إدريس، انزل،" أمرت، وهي تنزلق من حصانها.
        
        عبس إدريس. "ماذا الآن؟"
        
        سارت ليلى إليه دون إجابة، ففكت حزام الفضة حول خصره. رفعته، وتصميمه المعقد يلتقط الضوء الخافت. "هل تريد أن يعرف العالم كله أنك أمير؟ هذا يمكن أن يكون علامة تقول 'اخطفني'."
        
        "إنه مجرد حزام،" تمتم إدريس، وعقد ذراعيه.
        
        "إنه دعوة،" ردت ليلى، حاشية الحزام في حقيبته وسحبت وشاحًا باليًا من حقيبتها. لفته حول كتفي الصبي، وسحبته لأسفل ليخفي وجهه. "من الآن فصاعدًا، أنت لست ابن السلطان. أنت... ابن زيد."
        
        "ماذا؟" قال إدريس وزيد في نفس الوقت، على الرغم من أن نبرة زيد كانت أقل إعجابًا بكثير.
        
        "سمعتني،" قالت ليلى. "سيكون الأمر منطقيًا عندما نصل إلى البوابة. أعرف الحارس، سيصدقني، فقط تظاهرا."
        
        ابتسمت رانيا بخبث وهي تنزل. "إذا كان زيد هو الأب، فمن هي الأم؟"
        
        "ميتة... لأنها لم تستطع العيش مع شخص فاشل مثل زيد،" شخر رشيد.
        
        نظر إليه زيد بغضب. "قل كلمة أخرى، وستأكل الرمال على العشاء."
        
        التفت إلى ليلى، "الحارس يعرفني. وهو يعلم أيضًا أنني لست متزوجًا. لن يصدقك."
        
        "بالتأكيد سيصدق، سنجعل الأمر يبدو وكأننا لم نذكر له أنك كنت متزوجًا من قبل،" أكدت ليلى.
        
        سارت المجموعة المسافة المتبقية إلى بوابة القرية، حيث كان رجل عجوز يتكئ بكسل على عصا خشبية. ضاقت عيناه عندما رآهم، وتوقفتا عند ليلى.
        
        "ليلى،" قال بلهجة بطيئة، ونبرته مزيج من الشك والتضجر. "أي نوع من المتاعب تجلبين هذه المرة؟ وأرى أنك جلبت صياد الجوائز أيضًا."
        
        مال زيد قبعته إلى الجانب بابتسامة مائلة، "السلام عليكم يا عمي."
        
        نق الرجل لسانه وعاد لينظر إلى ليلى.
        
        "لا متاعب يا صديقي القديم،" قالت ليلى، مبتسمة ابتسامة ساحرة. "فقط عابرون مع... طاقمي." أشارت إلى الآخرين. "زيد، رشيد، رانيا، أميرة، أم صفية، و..." ترددت، ناظرة إلى إدريس. "ابن زيد."
        
        رفع حارس البوابة حاجبًا، وتوجهت نظراته إلى زيد. "ابنه؟ هذا؟ أعرفكما منذ سنوات - لم تخبراني أبدًا أن لديك ابنًا."
        
        "أنا لم أفعل؟ لا بد أنني فعلت ذلك،" قال زيد، وعقد ذراعيه.
        
        هز الرجل العجوز رأسه ولكنه تنحى جانبًا، متمتمًا، "مثيرو مشاكل، كلكم. ادخلوا ولا تثيروا المشاكل."
        
        أمرت ليلى زيد بابتسامة ظافرة، "قلت لك إنه سيصدقنا."
        
        سخر زيد، "هل هذا يبدو كوجه رجل يصدق أي شيء قلناه له للتو؟"
        
        هزت ليلى كتفيها، "لا يهم، لقد وصلنا على أي حال."
        
        

        نسيم إيطالي - رواية اجتماعية

        نسيم إيطالي

        2025,

        اجتماعية

        مجانا

        بتسافر مع أهلها وأختها الصغيرة "نانسي" لإيطاليا في آخر إجازة صيف قبل ما تدخل الجامعة. بيوصلوا فيرناتزا عند خالتها وخالها اللي بيكتشفوا إنهم حوامل، وده بيفرح هايدي أوي. بعد ما بيوصلوا البيت وبيكتشفوا إنه مليان تراب، بيضطروا ينضفوه كلهم. في الآخر، هايدي بتقرر تخرج تتعشى لوحدها في البلد عشان تستمتع بالجو، وهناك بتقابل شاب وسيم في المطعم.

        هايدي

        شابة على وشك دخول الجامعة. بتحب السفر والاستكشاف، ومتحمسة للإجازة في إيطاليا بالرغم من قلقها من أمها. بتحب الموسيقى والقراءة، وبتظهر عليها علامات الاستقلالية.

        نانسي

        أخت هايدي الصغيرة، طفلة بريئة ومتحمسة، بتحب الشيبسي وبتظهر عليها علامات الفرحة بالرحلة والطيارة.

        ميشيل

        أم هايدي ونانسي، منظمة جداً ومهووسة بالتخطيط لكل تفصيلة في الرحلة. قلقة على بنتها هايدي اللي هتروح الجامعة، وعايزة تقضي معاها أكبر وقت ممكن.
        تم نسخ الرابط
        نسيم إيطالي

        عمال أقلّب في تليفوني من غير هدف، مستني الإعلان عن ميعاد ركوب الطيارة. أختي الصغيرة، نانسي، قاعدة قصادي - إيديها غاطسة جوه كيس شيبسي. بتطلع قبضة كبيرة، وبشوفها وهي بتحشرهم في بقها ومبوزة. عيني بتروح على طول على الفتافيت اللي مالية بلوفرها البينك الفاتح وصوابعها التخينة اللي متغطية بطبقة تخينة من بودرة الجبنة.
        
        يا لهوي على المنظر ده على الصبح بدري.
        
        أمي قاعدة جنبها، عمالة تراجع الجدول بتاعها أكتر من مرة، بالرغم إننا جايين بدري كذا ساعة. أبويا، على الناحية التانية، نايم نوم عميق. النضارة الغامقة اللي على طرف مناخيره بتقول كل حاجة.
        
        دي إجازة الصيف قبل ما أدخل الجامعة وأهلي قالوا مفيش أحسن من إننا نختم السنة بإجازة عائلية أخيرة... في إيطاليا. الفكرة كانت مغرية في الأول، بس أنا وصلت لنتيجة إني مش طايقة إني هقعد ماشية جنب أمي على طراطيف صوابعي طول الوقت.
        
        خالي تيرون وخالتي فيينا عندهم بيت صغير في فيرناتزا، تشينكوي تيري، بقاله سنين طويلة محدش سكنه. اتفقنا نتقابل هناك ونقضي تلات أسابيع سوا.
        
        "هايدي، لو فضلتي باصة في التليفون ده، هيجيلك صداع،" أمي بتقول، وعيني بتيجي في عينيها. "قربنا نركب؛ عايزة تدخلي الحمام؟" بتسأل وكأني طفلة ومش قادرة أتصرف وألاقي حمام لو احتاجت.
        
        "لأ يا أمي، مش عايزة أدخل الحمام وأنا متأكدة إن دماغي هتبقى كويسة." ابتسمت لها ابتسامة خفيفة.
        
        نظرتها راحت بسرعة من عندي قبل ما ترجع تستقر على نانسي. كرمشت كيس الشيبسي قبل ما تقوم من الكرسي بتاعها وتتمشى ناحية الباسكت. "الرحلة قد إيه يا ماما؟" صوتها الصغير بيسأل نفس السؤال اللي كررته نص ساعة اللي فاتت.
        
        "حوالي ساعتين، إن شاء الله مفيش تأخيرات تاني،" أمي بتقول وهي بتراجع خط سير الرحلة، تاني. "نضفي نفسك، وقعتي شيبسي على هدومك أكتر ما أكلتي،" بتقول كده وفجأة أبويا بيشخر.
        
        أمي بتخبطه على دراعه بالورق اللي في إيدها وهو بيفوق بسرعة. "إيه ده كان ليه؟" بيرمي دراعاته في الهوا، مصدوم من إنه مكنش مستعد لتصرفات أمي.
        
        "سيباستيان! إحنا في مطار، وأنت بتشخر كأن حياتك متوقفة على كده. اصحى، مش عايزين نتأخر،" صوتها بيعلى والناس كلها بتبص ناحيتنا. عايزة الأرض تتشق وتبلعني، فبغطس أكتر في الكرسي بتاعي.
        
        "يا حبيبتي، أنا آسف-" صوت ست في السماعة قطع كلام أبويا.
        
        "ده إعلان الصعود المبكر للرحلة B172 المتجهة إلى بيزا، إيطاليا. بننصح دلوقتي المسافرين اللي معاهم أطفال صغيرين، وأي مسافرين محتاجين مساعدة خاصة، بالبدء في الصعود. يرجى تجهيز تذكرة الصعود والهوية. الصعود العادي هيبدأ خلال عشر دقايق تقريباً. شكراً."
        
        أول ما صوت الست بيظهر، بقوم من الكرسي وبلم شنطي بسرعة. عمري ما كنت شاكرة لأختي اللي عندها ست سنين أكتر من كده. كل ما نركب الطيارة بدري، كل ما أقدر أحس بالنسيم الدافي لإيطاليا على خدي بدري. مجرد الفكرة بتخلي رجلي تمشي أسرع على السجادة المتهالكة.
        
        الأبواب الزجاجية بتتفتح والزحمة بتتحرك ناحية البوابات بجنون. بنورّي الباسبورات بتاعتنا، وبحس بالراحة لما بيدونا إذن إننا نركب الطيارة أخيراً. في خلال أربع ساعات بالظبط، هقدر أخيراً أسترخي في شمس إيطاليا. أفكاري بتخليني أحس بدوخة وإحنا ماشيين بره، الهوا الساقع بيثلج الدفا اللي في عروقي، ورايحين ناحية السلم اللي بيوصل للطيارة.
        
        "ماما، شوفي! شوفي الطيارة كبيرة قد إيه!" نانسي بتصرخ من قدامنا وهي بتنطط ولأول مرة الصبح ده، أمي بتتبسم. بتبتسم ابتسامة عريضة باينة فيها أسنانها. مقدرش أنكر إن المنظر ده بيخليني ابتسم ابتسامة صغيرة أنا كمان.
        
        الشمس طالعة بألوان بنفسجي وبمبي تحفة ورا جسم الطيارة، وكنت هفضل باصة عليها لحظة كمان لولا أمي اللي بتزقنا طول الوقت.
        
        "قريب جداً رجلينا هتكون على أرض إيطالية! مش عارف إزاي مش فرحانين ومبسوطين كلكم. دي النهاية الكبيرة بتاعتنا قبل ما هايدي الصغيرة تروح الجامعة،" أبويا بيرجع يتكلم بحنية تاني. "يا دوبك حاسس إن مبارح بس كنا رايحين المستشفى عشان نستقبلك في الدنيا."
        
        "فهمنا يا بابا،" طلعت ضحكة صغيرة على تصرفاته. "وبعدين هتكمل الجزء اللي بتحذرني فيه من حمل المراهقات وبتنصحني أبعد كل الولاد عني لحد ما يبقى عندي خمسين سنة."
        
        صمت بيمتد بينا قبل ما أبويا يرد، وهو بيبتسم لي ابتسامة خجولة. "ده هيكون صح... بس، هايدي، إحنا كنا فاكرين إننا شباب ومرحين وقتها. أنا مش ندمان عليكي، ولا ذرة، بس لو أقدر أديكي أي نصيحة... ابعدي الأولاد عن الموضوع،" أبويا بيكمل كلامه الكتير.
        
        "كفاية يا سيب. هايدي كبيرة كفاية عشان تفهم إن الحم-" قطعتها قبل ما تكمل كلامها. مش متأكدة إذا كانوا عارفين ولا لأ بس إحنا حوالينا ناس كتير جداً، وهنقعد معاهم في نفس المكان الضيق ده لمدة ساعتين جايين، عشان نتكلم في الموضوع ده.
        
        
        
        
        
        
        
        "يلا بينا،" بقول من بين سناني والصف بيبدأ يتفرّق وناس أكتر تركب الطيارة.
        
        على متن الطيارة
        
        ماسك البوردينج باس بتاعي، بتوقع لحظة إني أدخل الطيارة وأرمي نفسي على الكراسي اللي مش مريحة أبداً دي. هم ساعتين بس، بس الساعتين دول ممكن يبقوا عمر بحاله لما يبقى فيه عيال بتعيط أو حد عمال يرزع في ضهر الكرسي بتاعك. كل اللي محتاجه عشان أعدي الرحلة دي هو ال playlist اللي عاملها بعناية، وفرحة إني قاعد جنب الشباك.
        
        بدأنا نطلع السلالم، رجلينا بتخبط في المعدن الخشن، وتوقعي بيزيد. أول ما بورّي البوردينج باس بتاعي والمضيفة بتدينا إشارة إننا نعدي، بسيب حماسي يفرّحني. نانسي بتصرخ جنبي وإحنا ماشيين في الممر، بنحاول ندور على أماكنا.
        
        "هنا،" أبويا بيشاور، وبقعد في الكرسي اللي جنب الشباك. أبويا بيقعد جنبي، وبعدين نانسي جنبه، وبعدين أمي بتقعد على الممر عشان هي الوحيدة اللي بتحتاج الحمام كل خمس دقايق. "حزام الأمان يا جماعة،" بيقول، وضحكة بتطلع مني من حماسه.
        
        لحظة الإقلاع
        
        أول ما الكل استقر، الإجراءات الروتينية للسلامة بتبدأ - المضيفين بيشاوروا على مخارج الطوارئ والحركات بتظهر على الشاشات اللي قصادنا. أول ما بتخلص، بطلع سماعاتي من جيبي وبحطها – بحاول أغرق نفسي عن اللي حواليا والمحادثات المملة اللي دايرة جنبي.
        
        لما الطيارة بتبدأ تتحرك، بتفرج بانبهار وهي بتسرع قبل ما الأرض تبعد عننا. دايماً كنت بحب الطيران، بس دايماً بيكون عندي قلق خفي منه. فكرة إن حياتنا في إيد قطعة المعدن التقيلة الطايرة دي اللي بتودينا للمكان اللي عايزينه، والطيارين اللي بيسوقوا المعدن التقيل ده، مش بتريحني. قلق بيتمتم في معدتي.
        
        باخد نفس عميق.
        
        بتفرج والسحاب بيغطي المنظر قبل ما ينزل تحتنا. والمزيكا شغالة في وداني، بركز على التلات أسابيع اللي جايين. اللي يا إما هيبقوا جحيم بعينه يا إما جنة زي ما بتمنى.
        
        الهبوط في إيطاليا
        
        حاجة بتخبط على كتفي، وبصحى من غفوة مكنتش واخدة بالي إني نمتها أصلاً. بلوي راسي بسرعة، بلاقي أبويا بيبص لي بترقب. بطلع سماعة واحدة، وببصله ببصة فيها سؤال.
        
        "هنهبط كمان حوالي تلاتين دقيقة؛ عايزة تاكلي حاجة؟" بيسأل بس أنا بهز راسي بالنفي.
        
        "لأ، شكراً." أنا بقالي فترة مقللة سناكس وشوكولاتة عشان السفرية دي. ملوش لازمة أوقف دلوقتي. بيهز راسه قبل ما يرجع لأمي وأنا برجع السماعة وببص من الشباك.
        
        قبل ما أحس، المحيط بيظهر، والطيارة بتبدأ تهبط. حماسي بيزيد لما مدينة بيزا بتبان. أنا مبهورة بالكامل وأنا بتفرج على الاقتراب منها، عيني لازقة في العالم اللي بره الشباك.
        
        خبطة تانية على كتفي. "لازم ناخد شنطنا بأسرع ما يمكن، الأتوبيس بتاعنا بيمشي بعد وقت قليل من هبوط الطيارة،" أمي بتقول بصوت أعلى من صوت المزيكا الخافت بتاعي، وهي بتكرر جدولها. رحلة الأتوبيس ساعتين كمان لحد ما نقدر نرتاح، والحقيقة دي بتخليني أطلع تنهيدة جوه مني.
        
        بطلع السماعات بتاعتي، وبحطها في جيبي وإحنا بنستعد للهبوط. "اقعدي يا نانسي،" أمي بتقول، وأنا بركز على المدينة اللي بتقرب.
        
        الوصول إلى فيرناتزا
        
        في النهاية، عجلات الطيارة بتلمس الأرض والطيارة بتتهز. نانسي بتطلع صوت كده بين الصرخة والعياط مخلي أهلي الاتنين يلفوا ويطمنوها. دي تاني مرة نانسي تركب طيارة، بس هي مش فاكرة أول مرة. دي تعتبر كلها حاجة جديدة بالنسبة لها.
        
        "فرحانة قد إيه يا نانسي؟" أمي بتقول والكل بيجهز عشان يسيب الطيارة. أنا تعبانة جداً من إننا صحينا بدري الصبح، بس عارفة إني ممكن أضيع وقت بالنوم في الأتوبيس اللي هيودينا فيرناتزا.
        
        "فرحانة أوووي،" صوتها الصغير بيطول كلمة "أووي" وأنا ببتسم لها.
        
        الوقت كان بيعدي ببطء شديد وإحنا بناخد شنطنا ورايحين على مكان الأتوبيس. طبعاً، حصلت تأخيرات، واستنينا وقت أطول بكتير مما كنا متوقعين. أمي كانت عايزة تتحرك، وجدولها بقى متأخر ساعات. حسيت بالشفقة عليها، هي بقالها شهور بتخطط، بس هوسها بتخطيط كل حاجة بالثانية مش ممكن يكون صحي.
        
        "معلش، إحنا تقريباً وصلنا خلاص وعملنا كل اللي خططتي له... متأخرين بس كام ساعة عن اللي كنتي عايزاه." بحط إيدي على إيد أمي والأتوبيس بيقرب من بلدة فيرناتزا الصغيرة.
        
        "أنا بس عايزة ده يكون مثالي... أنتي عارفة أنا وباباكي إزاي. إحنا مش مستعدين نسيبك تمشي، عايزن نقضي أكبر وقت ممكن معاكي قبل ما تروحي مغامراتك لوحدك مع كالي." ذكر كالي بيفكرني إني أبعت لها رسالة.
        
        أنا وأهل كالي كنا أصحاب سنين طويلة قبل ما إحنا نتولد، وده اللي خلى أنا وكالي نمشي على خطاهم – ماعدا جزء حمل المراهقات.
        
        "أنا عارفة وهيبقى مثالي. ومجرد إني رايحة الجامعة مش معناه إني هختفي من وش الدنيا، ومش هتتشاف تاني. أنا لسه هبقى هنا، وهعمل وقت لكم كلكم على قد ما أقدر. أنا مش رايحة في أي حتة." عيون أمي بتلمع تحت أنوار الأتوبيس الساطعة.
        
        "أنتي عارفة... لما أنا وماندي كنا أصغر، جينا المكان ده بالذات. وده اللي خلى تيرون يحبه هنا وإزاي في النهاية قابل فيينا. كانت دي سنين عمرنا – لما مكنش عندنا أي هم في الدنيا. أتمنى إنك تلاقي نفس الحب لفيرناتزا،" بتقول.
        
        "أتمنى ده أنا كمان،" برد عليها والأتوبيس بيقف.
        
        
        
        
        
        
        
        
        
        فيرناتزا: جمال لم يسبق له مثيل
        
        فيرناتزا ولا زي أي حاجة شفتها في حياتي. وأنا باصة من التل، البلدة الهادية دي مليانة مباني متلونة بألوان باستيل كتير – أصفر، أخضر، برتقالي، بينك. شط رملي صغير على آخر البلد، بيوصل لمحيط أزرق على طول ومقدرش أشيل عيني من عليه. الشمس الساطعة بتنور البحر اللي بيلمع، فبيبقى شكله كأن الأمواج مليانة بريق. حرارة نار بتيجي على خدي والبلدة اللي تحت بتضج بالحياة. أصوات ضحك ومواتير موتوسيكلات خافتة بتملى حواسي، عاملة دوشة غريبة.
        
        أنا مبهورة تماماً ومقدرش أنكر ده.
        
        لم شمل العائلة
        
        "هايدي، كبرتي خالص!" صوت بيقطع أفكاري. راسي بتتلوى ناحية الصوت وعيني بتيجي في عيون عمتو فيينا البني الدافية. قبل ما أقدر حتى أخطو خطوة ناحيتها، بتحاوطني في حضن قوي.
        
        "فيينا!" بصرخ وصوتي فيه ابتسامتي الواضحة. "بقالنا كتير مشوفناش بعض." بتبعد وبتمسكني من كتافي.
        
        "يا لهوي على الجمال اللي بقيتي عليه،" صوابعها بتعدي على أطراف شعري البني. عمي بييجي مكانها ويسحبني في حضن تاني. بحضنه جامد وبستمتع بإحساس لم الشمل معاهم كلهم.
        
        "إزيك؟" عمي بيقول وهو بيبعد ويقف جنب عمتي. بيبص لي بابتسامة واسعة ودراعه بيتحاوط وسط فيينا. دايماً كنت بحسد الحب اللي بينهم... حياتي العاطفية مكنتش مثمرة زي ما كنت أتمنى. آه، ماعدا أمبروز... بس دي قصة لوقت تاني.
        
        "أنا كويسة،" ببتسم. "أنتوا الاتنين؟" بسأل وهما بيبصوا لبعض. بحس إن فيه حاجة بتحصل هنا أنا مش فاهماها. ببص لهم ببصة استفهام. كل اللي حوالينا بيتبادلوا المجاملات قبل ما يردوا.
        
        "أنتي قولي لهم، أنا خايفة أعيط لو قلت أنا،" فيينا بتزق وعمي بيهز راسه. القلق بيملا قلبي. الكل بيسكت حوالينا، بالرغم من السياح التانيين اللي عمالين يتزاحموا وياخدوا شنطهم من الأتوبيس.
        
        "اتفقنا أنتي اللي هتقولي لهم يا حبيبتي،" عمي بيقول وبيشد عليها أكتر، حضنها جنبه. "ماشي، هنقول لهم سوا،" عمي بيستسلم لعناد عمتي وبيرمي لنا ابتسامة عريضة.
        
        "...إحنا حوامل!" الاتنين بيقولوا في نفس واحد، أصواتهم مليانة فرحة صافية وعمي بيبوس خدها. مقدرش أمسك الدموع اللي بتحرق في عيني وأنا بحضن فيينا حضن تاني.
        
        "مبروك!" بتبسم.
        
        "شكراً، شكراً،" فيينا بتقول، وببلع كتلة المشاعر اللي طالعة في زوري. ده خبر رائع. أنا طايرة من الفرحة عشانهم. هما الاتنين دايماً كانوا بيتكلموا قد إيه هما عايزين عيال، ودلوقتي بعد ما ده بقى حقيقة، مقدرش غير إني أكون مليانة سعادة مطلقة. "كفاية كده،" بتقول لما بتلاحظ الدموع في عيني.
        
        "الوقت مش بيستنى حد. هنوريكم البيت وتقدروا تاخدوا راحتكم. أكيد كلكم تعبانين بعد الرحلة. أنا متوقع إن ميشيل سحبتكم من السرير قبل الفجر بكتير،" عمي بيبص لأمي، وأنا بضحك.
        
        "أنا بحب أكون مستعدة وكلنا وصلنا سالمين وده لازم يقول حاجة،" أمي بتتبسم لأخوها وأنا خلاص عارفة إن الإجازة دي هتكون حاجة مميزة.
        
        "يلا بينا، اركبوا،" عمي بيشاور ناحية عربية البيك أب وعيني بتوسع. "ارموا نفسكم وشنطكم ورا، أنا وفيينا هنكون قدام،" بيضحك لما عينه بتيجي في عيني – واضح إنه لقى نكتة في تعبير وشي.
        
        قبل ما أقدر أنطق بكلمة تانية، نانسي بتشدني ناحية العربية. "يلا يا هايدي!" بتصرخ، وأمي بترفعها في الخلف. كلنا بنتزاحم جوا مع حاجتنا والموتور بيبدأ يدور. سياح كتير بيتفرجوا على العربية وهي بتبعد وإحنا بنسوق على التلال المتعرجة ورايحين ناحية البلدة.
        
        رحلة في الشاحنة
        
        بطلع تليفوني عشان أشتت نفسي عن القلق الشديد اللي بيملى جسمي وأنا في ضهر عربية نقل من غير أي أمان، وبقرر أبعت رسالة لكالي.
        
        هايدي: "هاي يا صاحبتي! لسه واصلة فيرناتزا والمكان تحفة. وحشتيني أوي. مش مصدقة إنك مقدرتيش تيجي؛ قلبي مكسور. بس فيه خبر جامد، فيينا وتيرون حوامل. يا حلاوة!"
        
        بركز في البيوت اللي بنعدي عليها وأنا مستنية رد، بس قبل ما أقدر حتى ألاحظ إحنا فين، تليفوني بيهتز في جيبي.
        
        كالي: "يا لهوي، حاجة تفرح، أنا مبسوطة أوي عشانهم! لازم تبعتي لي صور للمكان. قولي لي لو فيه أي رجالة إيطاليين حلوين. لازم توقعي كام واحد ولا أنا هزعل منك أوي. وحشتيني أنا كمان. بكره الدراسة اللي بتبوظ خططي. اعملي لي فيس تايم لما تفضي."
        
        هايدي: "هبقى أراقب لك لينا إحنا الاتنين، ممكن أدي كام واحد منهم رقمك ;) هكلمك قريب."
        
        بضحك لنفسي قبل ما أحط تليفوني تاني في جيبي وأحس بالشمس بتدفي جلدي. دي حاجة ممكن أتعود عليها. إحساس السعادة المطلقة والرياح بتمرر صوابعها في شعري، وبتشبك نفسها بين الخصلات، وأنا مغمضة عيني. أصوات عيلتي بتختفي وببقى عالقة في أرض مافيهاش غير شمس ودفى. المكان الوحيد اللي محتاجاه عشان أعيش هو ده.
        
        الوصول إلى البيت
        
        في النهاية، العربية بتقف، وبفتح عيني على البيت الأزرق القديم اللي قدامنا. شبابيكه متقفلة بشيش قديم وكرسي وحيد قاعد على البلكونة. ببص على اليمين، بلاقي مجموعة سلالم مخصصة للطريق اللي باين إنها بتودي مباشرة لقلب فيرناتزا. دي هتبقى مفيدة جداً.
        
        المكان ببساطة جميل.
        
        عيني بتروح ناحية السواق وعمي بيرزع باب العربية وبيفتحلنا الباب الخلفي عشان ننزل - وبياخد كام شنطة عشان يساعد. تقريباً وقعت من العربية، وبمشي ناحية البيت وبتفرج على عمتي وهي بتفتح الباب، وبتفتحه بصوت صرير عالي.
        
        بمشي وراها جوا، بلاحظ طبقة التراب السميكة اللي مغطية المكان. أوضة معيشة مريحة على شمالنا، والمطبخ على اليمين. سلم منحني بيوصل للدور التاني، ومقدرش أتخيل قد إيه المكان ده كان فاضي. ألوان البحر بتملى المكان بألوان مختلطة من الأزرق والأبيض. مش مصدقة إنهم سابوا بيت جميل زي ده مش متسكن كل المدة دي.
        
        "المكان هنا تحفة. بقالكم قد إيه مجتوش هنا آخر مرة؟" بسأل وعمتي بتقلب في الدولاب وباقي عيلتي بتدخل من الباب الأمامي. نانسي بتعطس لما شوية تراب بيطلعوا في الهوا.
        
        "سنين أكتر بكتير مما كان المفروض. إحنا عمرنا ما لقينا وقت نرجع مع شغل تيرون وكل ده. هو كان مشغول جداً. خسارة نشوف بيتنا اللي بنحبه بالمنظر ده،" فيينا بتقول وهي بتطلع أدوات تنظيف من الدولاب. "انسوا تعبكم كلكم... أول شغلانة هي تنظيف البيت!"
        
        بجعر وشي بس باخد منها ممسحة برضه. "طب يلا بينا، لو عايزين نخلص قبل ما الإجازة تخلص،" بهزر وأبويا بيضحك من جنبي، وهو بياخد ممسحة لنفسه.
        
        "أنا مصدوم، فيينا. عمري ما كنت أتخيل إنك تسيبى بيتك يتوسخ كده،" أبويا بيقول بهزار وفيينا بتبص له نظرة تحذير. "بمزح... نوعاً ما،" بيضحك، وبسمع ضحكة خفيفة من نانسي.
        
        بالرغم من البداية الغريبة للإجازة، الكل بيجتمع وينظف المكان. أقدر أقول بيقين تام إني مكنتش متوقعة إن التنظيف هيكون أول حاجة أعملها في إيطاليا، بس إحنا هنا. تيرون قدر يصلح التكييف في نص عملية التنظيف، وده أنقذ الكل من الإغماء في نص المطبخ. غسلنا الأرضيات، مسحنا التراب من كل سطح باين، غسلنا ملايات السرير، رتبنا السراير ونظفنا لحد ما مبقناش قادرين نتحرك تاني.
        
        
        
        
        
        البيت بيلمع من النضافة
        
        بمسح العرق اللي على جبيني بضهر إيدي، وبطلع نفس عميق. "المنظر بقى أحسن بكتير من الأول،" بقول للكل وإحنا واقفين جنب الباب وبنطل على المكان. بصراحة، بقى شكله مختلف تماماً.
        
        "ده خد مننا معظم الليل وشغل يكسر الضهر،" عمي تيرون بيتنهد وبيرمي نفسه على الكنبة. الكل بيشاركوا في أوضة المعيشة، وأنا بستمتع بالكنبة المريحة اللي بتشيل وزني. بطني بتكركب وهنا أدركت قد إيه أنا جعانة.
        
        الظاهر إن الكل حس بده كمان.
        
        "هنطلب أكل من بره من واحد من المحلات اللي في البلد، أنا تعبانة أوي ومش قادرة أخرج،" فيينا بتقول والكل بيتمتم موافقين، واضح إنهم حاسين بنفس الإحساس. مقدرتش أمسك خيبة الأمل. أنا تعبانة بس مش لدرجة إني أفوت لحظة واحدة في فيرناتزا.
        
        "أنا هنزل أتمشى في البلد وأكل هناك لو مفيش مانع،" بقول وببص لأمي، متوقعة إن عدم الموافقة هتكون باينة في عينيها. بس لقيت حاجة مختلفة فيهم.
        
        "آه، تمام. خلي تليفونك قريب وابعثي لي رسالة لما تلاقي مكان تاكلي فيه... أنتي متأكدة إنك عايزة تروحي لوحدك؟" بتسأل، وأنا بهز راسي. أحب أبص حواليا قبل ما الشمس تغيب. "ماشي، خلي بالك من نفسك."
        
        "شكراً،" بغني وبجري على السلالم، الحماس هو اللي بيحركني. آه، أنا قانونياً بالغة، بس مقدرش أنكر إني لسه بفرح زي العيال الصغيرين يوم الكريسماس لما بكون متحمسة.
        
        استعداداتي للمشي
        
        دخلت اللي هسميه أوضة نومي لمدة التلات أسابيع الجايين، وبتحرك ناحية الدولاب اللي بقى فيه هدومي متلخبطة. بقلب في أكوام الهدوم، وبطلع فستان صيفي أبيض وصندل أبيض ماشي معاه. بحط مكياج خفيف وبعمل كام لفة في شعري، وبستعجل عشان أخرج قبل غروب الشمس.
        
        بمسك شنطتي، وبنزل السلم تاني وبشوف الكل لسه في نفس المكان اللي كانوا فيه من عشر دقايق. "هرجع كمان كام ساعة،" بنادي من عند الباب، وهما كلهم بيصرخوا "مع السلامة" قبل ما أخرج وأخطو تاني في الشمس.
        
        مغامرة في فيرناتزا
        
        بطلع تليفوني من شنطتي، وببحث بسرعة على أقرب مطاعم عشان مابقاش ماشية على الفاضي بالساعات بحاول ألاقي مكان آكل فيه. وأنا ماشية ناحية السلم، أول خيار بيطلع لي هو مكان اسمه إيميليانو. لقيت المراجعات كويسة، بحطه في الخرايط وبمشي ورا الطريق.
        
        كل ما بقرب من قلب فيرناتزا، الأصوات بتعلى، والحياة بتبقى أحلى. فوانيس مالية الحيطان، وبتبدأ تنور بالراحة والشمس بتبدأ تتجه ناحية الأفق. بتبع الطريق، وبوصل عند مفترق طرق وكنت هخطو لقدام بس وقفت فجأة لما موتوسيكل قطع طريقي في عجلة. قلبي فاته نبضة قبل ما أقدر أستعيد هدوئي وأكمل.
        
        البلد مليانة حياة، ومقدرتش أمسك قلبي وهو بيكبر من كتر ما بشوف ابتسامات مشرقة كتير. رجلي بتخبط على الرصيف مش المتساوي وبحاول أمشي لازقة في المباني تحسباً لو موتوسيكل تاني حاول يدوسني.
        
        بلاحظ مكتبة على يميني وبحس إني عايزة أدخلها بس بفكر نفسي إن قدامي وقت كتير وإن لازم أهدى. عشا، لازم أروح أتعشى. دي أولويتي. بخزن المكتبة في آخر دماغي وبدخل في الزقاق الضيق، وبكمل في مجموعة سلالم تانية.
        
        العشاء في إيميليانو
        
        أول ما المطعم بيبان، بمشي لناحية راجل تخين واقف عند المدخل. "أقدر أساعدك إزاي؟" لهجته قوية، وبلاحظ إن المكان مليان ناس.
        
        "عندك أي ترابيزات فاضية؟" بسأل، والشك بيقطر من كلماتي. بتفرج عليه وهو بياخد دفتر من ترابيزة جنبه وبيبدأ يقلب فيه. شكي بيتضاعف في كل ثانية وهو بيرجع الدفتر مكانه.
        
        "حظك حلو... فيه ترابيزة واحدة. ترابيزة ستة وعشرين، أحسن مكان في المطعم. تعالى ورايا يا مدام،" بيقول وبيبدأ يتلوى بين الترابيزات، بيوديني لأبعد نقطة في المطعم. "اتفضلي."
        
        "شكراً،" ببتسم وأنا بقعد، وهو بيحط قائمة الطعام قدامي قبل ما يمشي بسرعة. المنظر مش عادي. الأمواج بتتكسر في البعيد، وبستمتع بريحة البحر المالحة. فوانيس صغيرة بتزين المكان، والشمس بتبدأ تغيب بسرعة، تاركة السما بلون نار.
        
        ببص في قائمة الطعام، بلاقي صعوبة في الاختيار بما إن كل حاجة شكلها أحلى من اللي بعدها. أخيراً بستقر على طبق جنوكي سورينتينا، وبتأكد إني أبعت رسالة لأمي قبل ما تتجنن خالص وتقلب البلد كلها عليّ.
        
        هايدي: "هاي، لقيت مكان آكل فيه. قاعدة في أحسن مكان في المطعم على ما يبدو. المنظر تحفة. كل حاجة تمام."
        
        بترد في ثواني تقريباً.
        
        الأم: "ده عظيم. ابعتي لي رسالة لما تكوني راجعة أو لو احتجتي أي حاجة."
        
        "بوناسيرا (مساء الخير بالإيطالي)،" صوت تخين بيظهر، وببص بسرعة، نظرتي بتقابل نظرة زرقا غامقة شبه المحيط نفسه. بتفاجئ بشعره البني الغامق، تقريباً أسود، والتاتوهات اللي باينة من تحت ياقة قميصه.
        
        على أمل إن الإيطالي بتاعي ميكونش صدأ، برد بكلمة بسيطة، "تشاو (أهلاً)."
         
        

        Pages

        authorX

        مؤلفون تلقائي

        نظام شراء