موصى به لك

الأقسام

الأعلى تقييمًا

    أعمال أصلية (RO)

      الأفضل شهريًا

        رحلتي مع القدر - الفصل 31

        رحلتي مع القدر

        2025, خضراء سعيد

        اجتماعية

        مجانا

        خارجة من العمليات شاحبة كالملاك الجريح، يارا ترقد تحت تأثير البنج، بينما عائلتها يحيط بها ككابوس يقظ. الأم ترتجف ودموعها تفضح قلبها المكسور، والأب صامت بعيون تصرخ بالقهر. ابنتهم الصغيرة دفعت ثمن قسوة زوج لم يرَ فيها إلا أداة، لتخرج محطمة الجسد والروح، وحلم الأمومة يتبخر.

        يارا

        فتاة في السابعة عشرة من عمرها، عانت من تجربة زواج مؤلمة وقاسية تركتها محطمة جسديًا ونفسيًا وفقدت حملها. تظهر في بداية الفصل ضعيفة ومتعبة بعد العملية، لكن في النهاية يلمع في عينيها بصيص أمل وإصرار على التعافي.

        والد يارا

        أب موجوع وصامت، يشعر بالذنب والعجز لأنه لم يستطع حماية ابنته من هذه التجربة القاسية. نظراته المليئة بالحزن والقهر تعبر عن عمق ألمه.
        تم نسخ الرابط
        روايه رحلتي مع القدر

         
        يارا كانت خارجة من أوضة العمليات، ممددة على السرير، ووشها شاحب كإنه ورقة بيضا، عينيها نص مفتوحة ومش واغدة بالها من اللي حواليها. لسه تحت تأثير البنج، بس اللي حواليها كانوا صاحيين على كابوس. أمها كانت واقفة بتترعش، ماسكة إيدها عشان متنهارش، بس دموعها فضحتها. أبوها كان عمال يبصّ فيها بعيون مليانة حزن وقهر، ساكت، بس قلبه بيصرخ. أخوها ماسك راسه ومش قادر يبصّ عليها، وأخته الكبيرة قاعدة جنبها تمسح عرقها وهي بتبكي من غير صوت.
        بنتهم عندها سبعتاشر سنة، وشافت وجع الستات الكبار، اتحملت ضرب وإهانة وكلام جارح من واحد مفيهوش ضمير، جوزها اللي كان شايفها مجرد لعبة. غصب عنها دخلت حياة أكبر منها، وغصب عنه طلّقها بعد ما بوّظ فيها كل حاجة، جسمها، ونفسيتها، وحلم الأمومة اللي اتكسر قبل ما يتحقق.
        الكل كان واقف حوالين السرير، بس كل واحد حاسس إنه لوحده في زنزانة من الحزن. الأم بتبص على بنتها وبتقول جواها: هو دا اللي كنتي مستعجلة عليه؟ الجواز اللي كسرك وانتي لسه بتلعبي بالعرايس؟
        والأب بينه وبين نفسه بيقول: لو كنت وقفت في وشهم من الأول، يمكن ما كانتش حصلت كل دي المصايب.
        تاني يوم، الجو في الأوضة كان كئيب، ريحة المستشفى والمطهر ماليه المكان، وهدوء غريب بيخنق. يارا بدأت تفتح عنيها بشويش، كانت مرهقة، ملامحها هادية بس متكسّرة، زي طفلة راحتها اتسرقت. لمّا شافت أمها، حاولت تبتسم، بس شفايفها ما قدرتش.
        يارا بصوت واطي:ماما… هو حلم؟"
        الأم، وهي بتطبطب على شعرها ودموعها بتجري:لأ يا قلب أمك… بس خلاص، كله راح… وانتي هترتاحي دلوقتي، يا حبيبتي."
        يارا حاولت تلف وشها الناحية التانية، بس دمعة نزلت من عينيها قبل ما تقول:هو كان لازم أوصل لكده؟ عشان الناس تصدق إني كنت بتعذّب؟"
        أختها قربت منها، وبإيدها منديل:اللي راح ما يرجعش، بس إنتي لسه صغيرة، ولسه قدامك حياة تعيشيها صح… بعيد عن أي وجع.
        يارا سكتت، وفضلت تبص في السقف كأنها بتعدّ السنين اللي راحت، سنين مش من عمرها، من حزنها. كان واضح إنها مش بس فقدت جنين، دي فقدت براءتها، وطفولتها، وثقتها في الدنيا. بس في نفس اللحظة، كان فيه نور صغير بدأ يلمع في عينها… نور حد نجا من الغرق، وقرر يتعلم يعوم.
        تحب نكمّل من لحظة خروجها من المستشفى؟
        أيوه، تعال نحكي حكاية جواد...
        جواد كان واقف بعيد، ما حدّش واخد باله منه، عينه بس اللي بتحكي. من يوم ما عرف يارا وهو شايف فيها نقاء ما شافوش في حد، بنت بريئة اتحطت في دنيا أكبر منها، واتكسرت وهو مش قادر يعمل حاجة.
        كان بيشوفها كل يوم، والوجع بيزيد، يشوفها بضحكتها اللي بتخبّي ورّاها مليون جرح، بعينيها اللي فيها كلام كتير ما بيتقالش، وقلبها اللي بيصرخ من غير صوت. جواد كان دايمًا موجود، في صمت، في الخفاء، بس حبه ليها كان واضح في كل نظرة، في كل لمحة اهتمام، حتى لو من بعيد.
        لما دخلت المستشفى، قلبه وقع. جري من غير ما يفكر، وقف على باب القسم، ما قدرش يدخل، بس فضّل واقف. بيدعي، وبيتمنى لو يقدر ياخد مكانها في الألم، بس ما يقدرش يعمل أكتر من كده.
        شافها وهي خارجة من أوضة العمليات، شافها وهي نايمة، متعبة، مكسورة… وداخله نار. قال لنفسه:ليه الحب لازم يفضل ساكت؟ وليه اللي يحب بصدق يفضل يتعذّب في قلبه؟
        بس جواد ما كانش عايز يدخل حياتها وهو عارف إنها لسه خارجة من جرح كبير. كان خايف يقرب، يخليها تحس إنه بيستغل ضعفها، أو يضغط عليها بأي شكل. اختار يحبها بصمت، لحد ما تقوم من تاني، لحد ما تضحك من قلبها، وقتها يمكن يقدر يقولها:أنا هنا… كنت معاكي طول الطريق، ولو تسمحيلي، أكمل معاكي باقيه.
        
        

        رواية الجليد والنار

        الجليد والنار

        2025, Adham

        رواية فانتازيا

        مجانا

        عالم قاسٍ مليء بالفقر والحروب، تعيش إيرا بصلابة بعد فقدان والديها، معتمدة على أختها المحاربة تيلي وصديقتها هيذر. تتغير حياتها جذريًا بوصول أمر باستدعاء تيلي للعودة إلى الحرب كقائدة، مما يثير خوف إيرا من الوحدة. تتأرجح الرواية بين واقع القرية البائس وأحلام الهروب، وتستكشف روابط الأخوة والصداقة في ظل الخطر. تنتهي القصة بظهور رسالة غامضة تترك إيرا في حيرة وقلق بشأن المستقبل المجهول.

        إيرا

        بطلة القصة، فتاة قوية تعيش في قرية فقيرة بعد فقدان والديها. تعتمد بشكل كبير على أختها تيلي وتشعر بخوف شديد من الوحدة. تتميز بذكائها وقدرتها على ملاحظة التفاصيل، لكنها تخفي قلقها وحزنها وراء مظهر صلب وساخر.

        تيلي

        أخت إيرا الكبرى، محاربة سابقة أصيبت في الحرب. تتميز بشخصيتها القوية وحنانها تجاه أختها وهيذر. تجد نفسها مجبرة على العودة إلى الحرب كقائدة، مما يضعها في صراع بين واجبها تجاه عائلتها وخطر الحرب.

        هيذر

        صديقة تيلي وشريكتها، تعمل في صناعة الشموع. تتميز بشخصيتها العاطفية والقلقة، وتلعب دورًا داعمًا لإيرا وتيلي. هيذر أكثر حساسية وتوترًا من تيلي، وتحاول الحفاظ على جو من الاستقرار في حياتهن.
        تم نسخ الرابط
        رواية الجليد والنار

        فيه ناس بتقول الدنيا هتنتهي بالنار، وفيه ناس بتقول بالجليد، من اللي أنا حسّيته من الرغبة، أنا مع اللي بيقولوا بالنار. لكن لو الدنيا هتخرب مرتين، أظن إني عارف كفاية عن الكره علشان أعرف إن عشان الخراب، الجليد كمان حاجة كبيرة وهيكفي. روبرت فروست أمير الظلال أمير الظلال كان بيحلم حلم تاني. بقالو فترة طويلة بيحلم، وكل حلم أغرب من اللي قبله. كل حلم كده زي الضباب، كأنه بيبص من ورا طرحة أو حتة قماش. كان دماغه بيوجعه وهو بيحاول يفهمهم لما بيصحى، فعشان كده أغلب الأوقات لما كان بيحلم، كان بيسيب نفسه يستمتع وخلاص. كانت دي بالنسبة له زي مهرب صغير، حاجة تاخده بعيد عن الصريخ والدم والوجع اللي بقوا حاجة متعود عليها، واللي كانوا بييجوا قدام عينيه كل ما يغمض. الحلم ده كان زي باقي الأحلام بالظبط، بس كان باهت أكتر في الألوان. كان بيبص بعيون حد تاني، زي العادة، بس المنظر كان أعلى. البنت دي أكيد كبرت شوية من المرة اللي فاتت. هو عرف إنها بنت بس عشان كانت لابسة فستان وشبشب، صحيح كان وسخ ومتقطع، بس برضه شبشب بتاع بنات. أمه كانت بتلبس حاجات شبهه كده. فين البنت دي دلوقتي بقى؟ المكان ده مكان ما يعرفوش. عادةً كانت دايماً في مكان دافي، أو على الأقل كان بيحس بكده. دايماً حواليها حب وضحك. تقريباً دايماً حد ماسك إيديها أو حد من أهلها بيبوس جبينها. كانت دي سعادة كبيرة للأمير، لإنه مش فاكر آخر مرة حد وراه حب كتير كده. هو بقاله كتير أوي بعيد عن أهله لدرجة إنه مش فاكر إحساس الحب ده عامل إزاي. هو أصلاً لسه بيعرف يحس بالحب؟ مش متأكد. حاسس إن الحتة دي في روحه مكسورة. البنت كانت بتعيط، كان حاسس بدموعها على خدوده، وكان حاسس بوجع في صدره خلاه يعرف إنها قربت تعيط جامد، بس كاتمة نفسها. كانت في مكان مفتوح، فيه شجر على الجنبين. كان فيه حد على يمينها، مش ماسك إيديها، بس قريب منها. هو ما قدرش يبص يشوف مين ده، بس أي حد كان، كان طالع منه برودة حس بيها وعرف إنها غضب. "هنا يرقد قبر والدين حبيبين، اتاخدوا بدري أوي-" كانت في جنازة. يا حرام البنت دي، أكيد فقدت أهلها. الأمير ما عرفش إذا كان ده إحساس مشترك، بس حس إن قلبه وجعه شوية وهو شايف المنظر ده. كان قرب من أهل البنت دي بعد ما شاف تعاملهم معاها بعينيها. طول عمرهم ما حبوش غير بنتهم. استغرب إزاي ماتوا وليه اتاخدوا بدري كده وفي سن ضعيف زي ده. اللحظات اللي بعد كده كانت مكتومة، يا إما البنت ما كانتش مركزة، يا إما بسبب ضعف الاتصال الغريب اللي كان رابطه بيها. ده كان بيحصل كتير، الكتمة الغريبة دي، كأن الاتصال بيضعف. الرؤية اتغيرت بعدها، البنت كانت بتجري بعيد عن مكان الجنازة وكانت بتعدي بسرعة بين الناس. كانت الرؤية مش واضحة بسبب دموعها، الأمير كان شايف الدموع دي مغبشة طرف نظره. رجليها الصغيرة كانت بتخبط في التراب بقوة، وجريت على طول على الغابة. الشجر بقى يطلع بسرعة على الجنبين، والأمير شافها وهي بتتخبط في الجذور والأوراق وفي الآخر وقعت. بس ما قامتش، فضلت تعيط بصوت عالي، قربت تصرخ كمان. الشفقة وجعت قلبه وكان نفسه يوصل لها. كانت صغيرة أوي، ما تستاهلش كل الوجع ده. هو عارف إحساس فقدان الأمل عامل إزاي، ودلوقتي البنت الصغيرة دي كمان عرفته. كان بيتمنى إنها ما تعرفوش. لو كان فيه حاجة يقدر يعملها، كانت هتبقى إنه ياخد منها وجع قلبها ده. البنت فضلت قاعدة هناك شوية، لحد ما غصبت نفسها تقعد وسندت ظهرها على شجرة. بس كانت لسه بتعيط، الأمير استغرب إزاي بني آدم صغير زي ده ممكن يشيل دموع كتير كده. بس هو زهق من دموعها دي، فعمل حاجة ما كانش متأكد إنه هيقدر يعملها. مسك طرف من قوته، وركز سيطرته وبعت ومضة ظل ناحيتها، مخلوطة بريحة نوم. دي كانت حاجة قوته دايماً بتقدر تعملها، الجانب الهادي للظلام ده. البنت هديت لما حست بطرف قوته بيمسح خدودها، وبينشف دموعها. ضحكت لما لمس مناخيرها ورموشها، ونشفهم هما كمان. في الآخر الطرف ده دخل تحت مناخيرها وشمّت الريحة الحلوة دي وحس إن راسها مالت على جنب. كانت نامت. بعت حواليها حماية، خوف بيها أي حيوانات أو كائنات سحرية ممكن تأذيها. هتبقى في أمان لفترة طويلة. أول ما البنت نامت خالص، الأمير صحي. كان بيتمنى يعرف ينام زيها. بس كان عارف إن أحلامه هتبقى مليانة بأفعاله الغلط، وما كانش عنده مزاج يستحمل عذاب أكتر الليلة دي. فعشان كده، جر نفسه وقام ولبس درعه. ما فيش ولا لحظة راحة لأمير الظلال. دي كانت حاجة فهمها وتقبلها من زمان أوي.

        _________________________

        الجزء الأول شكاوى الملك الفاني ‧͙⁺˚*・༓☾  ☽༓・*˚⁺‧͙ السوق نفسه كان زي متاهة لأي حد غريب، بس الناس اللي عاشت في "رامي" طول عمرها كانت حافظة طرقه كويس. وأنا أكيد كنت واحدة منهم. يعني مثلاً، كنت عارفة إن الست العجوزة اللي بتبيع مخبوزات على الزاوية بتحب تزود السعر على أي حد يحاول يفاصل معاها وينزله. وكنت عارفة الراجل اللي بيعمل جزم بيحط حصى صغير عمدًا في الصوابع والكعب عشان تضطر ترجع تشتري منه تاني. وكنت عارفة إن عيال الزوجين اللي بيبيعوا تفاح وبرتقال وحاجات حلوة تانية بيحبوا يسرقوا الجيوب. "روحي ازعجي حد تاني يا شاطرة،" قلت وأنا بزق كم الفلوس تاني في جيبي. صوت الخبطة كان زعلان شوية وهو بيخبط في جنبي. قرشين بس، مش كفاية عشان أشتري القرع اللي عيني عليه من البائع التاني. "لو سمحتي يا آنسة. إحنا جعانين أوي،" قالت البنت اللي دخلت صوابعها في جيبي. شكلها كان جعان، بس ما كانتش باينة عليها الجوع اللي زي بتاعنا كلنا. عيال اللي بيزرعوا الأكل كانوا محظوظين. كنت عارفة إني لو كنت بنت فلاح كنت هبقى أسرق أكل في أي فرصة تجيلي. "يبقى تسرقي من حد تاني. اعرفي فريستك." هزيت راسي ناحية مستر رينولدز، اللي كان بيعد قروش لراجل بيبيع هدوم. إيده كانت بتترعش، كأنها بتوجعه، وهو بيزح الشلن بتاعه واحد واحد للبائع. كان أغنى واحد في القرية. فقير بمعايير أي حد تاني، بس أغنى واحد في أرضنا. "شكراً يا آنسة،" البنت نادت. مسكت إيد أخوها والاتنين جريوا ناحية الراجل العجوز. الولد الصغير، اللي شكله عنده حوالي خمس سنين، هو اللي شتت انتباه رينولدز. بصيت وأنا شايفة البنت بتشد كيس فلوس من جنبه. حرامية شاطرة أوي وهي عندها تمان سنين بس. هتبقى ست شابة ممتازة في يوم من الأيام. كنت حاسة بكده. "بتحطي أفكار وسخة في دماغهم تاني؟" صوت قال. لفيت وشي وشفت مارك ساند على الباب. بشرته السمرا كانت متوسخة من المناجم، وصوابعه كلها طين. بجد مش فاكرة مرة واحدة كان نضيف فيها من ساعة ما اشتغل. كويس على الأقل إنه عنده شغل. حتى لو كان الشغل ده معناه إنه يتنفس أبخرة سامة طول النهار ويبقى متوسخ لدرجة إنه لازم ياخد تلات حمامات بالليل. "دايماً،" قلت وأنا بابتسم. ضحك بخفوت وقرب مني. بص على الحاجات المعروضة قدامنا. ما فيش حاجة جامدة. نص الفاكهة دبلان، وتفاحة واحدة كان فيها دودة ماشية جواها. منظر مضحك أوي. "كمثرى لو سمحتي،" قلت وأنا بدي الشلن للست. خطفته من إيدي بسرعة، ما ادتنيش فرصة أسحبه تاني لو كنت غيرت رأيي. بياعين السوق كانوا عارفين حيل السوق كويس أوي. يمكن أحسن مننا كلنا. "واحدة كمثرى،" قالت. وطيت تجيب الفاكهة المتدمرة من كيس فيه فاكهة متدمرة تانية، وبعدين ناولتهالي. خدتها بسرعة وحطيتها في شنطتي، وربطتها وماسكتها جامد أوي لدرجة إني حسيت الكمثرى بتقطع في جنبي. "يارب الآلهة تكون رحيمة بروحك،" قلت وأنا بابتسم. كنت بحب أقول كده للناس، كانت بتخليهم يفتكروا إني شايفاهم خطاة. بس أنا بجد ما كنتش بهتم بالدين خالص. من اللي فاكراه من ماما وبابا، كانوا بيحاولوا ياخدوني الكنيسة وأنا صغيرة، بس العادة دي ماتت لما ماتوا هما. أنا وتيلي عمرنا ما كنا متدينين، وقريب الكنيسة بقت عبء أكتر ما هي مهرب روحي. "أيوة، وأنتِ كمان. يلا بقى امشي من هنا قبل ما آخد الفاكهة تاني." بصقت على الأرض عشان تتأكد كلامها. غلبت نفسي عشان ما اضحكش وأنا بلف على كعبي وبمشي وسط الزحمة. خليت فلوسي قريبة مني، إيد حطاها عليهم والتانية ماسكة الشنطة لازقة على ضلوعي جامد أوي لدرجة إني حسيت الكمثرى بتقطع فيا. "دايماً ممتعة، مش كده؟" مارك قال وهو بيتفادى بركة شكلها مية. ممكن تكون بول برضه. الواحد دايماً بيتجنب برك المية اللي ممكن تكون بول في "رامي". لإنه بجد ممكن تكون كده. "دايماً،" قلت، "هما ادّوك إجازة ولا حاجة؟" وشاورت على إيده اللي كانت أنضف من عادتها. "عيد ميلاد أمي. مديري سهّل عليا النهاردة عشان كنت شغال بضمير الأسبوع اللي فات كله عشان آخد اليوم ده." مارك كان عنده حوالي عشرين سنة وكان شغال في الشغل ده بقاله سنة تقريباً، بس مديره لسه بيعامله زي الطفل. "خليني أخمن، هيخليك تسهر بكرة برضه، صح؟" رفعت حواجبي له. كنت عارفة مديره، مدير مارك كان زي أي مدير هنا في "رامي". ناس طماعة مستعدة تمص كل نقطة شغل من موظفينها. وما ساعدش إن الناس كانت يائسة عشان تلاقي شغل، ده خلاهم أطمع كمان. لسه من كام يوم شفت ست بترفض راجل بيتوسل عشان يشتغل مع إنها كانت حاطة ورقة "مطلوب عامل" بره محلها. "طبعاً يا إيرا،" قال وهو بيتنهد بصوت عالي. "بس إيه اللي بتعمليه؟ عمرك ما بتيجي السوق متأخر كده." "الضلمة أحسن عباية للحرامي،" قلت، وكررت اللي تيلي قالتهالي كذا مرة قبل كده. "كنت لازم أجيب عشا." هزيت الشنطة قدام مناخيره. "افتكرنا إن عندنا كفاية بس العساكر عملوا مداهمة النهاردة. خدوا كل اللي كنا مخزنينه. أنت كنت في الشغل." "توقعت،" مارك قال. "أمي بعتتلي جواب، قالتلي أجيب رغيف أي حاجة ألاقيها بعد الشيفت بتاعي." حط إيده في جيوبه. "ونجحت؟" هز الشنطة اللي على ظهره عشاني دلوقتي. "أكيد. هناكل أكل ملوك الليلة. عيش بايت وجبنة." "أنا معايا عيش محروق وكمثرى متدمرة،" قلت. "أظن أنا اللي عملت أحسن." ضحكنا احنا الاتنين على كده. دي كانت طبيعة الناس اللي عايشة في "رامي"، كنا بنتكلم عن اللي مش عندنا. كتير أوي. ناس زيي أنا ومارك كنا بنعمل نكت، وبنتدارى ورا قناع الفكاهة والضحكات الساخرة عشان نملا الفراغ اللي في بطوننا، اللي كانت بتوجع وتكركر وعمرها ما كانت بتشبع أبداً. ناس تانية كانت بتشتكي وخلاص، شكيت إن ده كان أحسن. "هتيجي تعومي بكرة؟" مارك سأل. "هيبقى الصبح بدري، بس ما عملناهاش من زمان أوي." "عوم؟" قلت. "الجو برد أوي." لفيت عبايتي الخفيفة المتقطعة حوالين نفسي أكتر عشان أأكد كلامي. الجو كان برد بجد، المفروض فصل الشتا يكون بيخلص، بس لسبب ما كان مطول السنة دي. ما حدش كان عارف ليه. العلماء اللي في القلعة اللي على بعد آلاف الأميال كانوا بيقولوا إنهم متلخبطين زينا. بس ما كانوش بيهتموا أوي، مش وهما عايشين في الجنوب في قصور فيها تدفئة وأكل بجد. الناس اللي عايشة كده كان سهل عليهم يتجاهلوا الناس اللي عايشة في الشمال، في قرى متداعية. ما كانش مهم إن إحنا اللي بنديهم العساكر يحاربوا بيها في حربهم الغبية اللي كانوا عنيدين أوي ومش عايزين يبطلوها. "يا عم الحاج، إيرا،" قال وهو بيخبط كتفي بخفة. "هتبقى متعة، وبعدين، حاسس إننا ما قعدناش مع بعض من زمان أوي." "لإن واحد فينا عنده شغل، فاكر؟" خبطت كتفه أنا كمان وابتسم بضعف. ما كنتش بغير من مارك عشان اخد الشغل اللي كنا احنا الاتنين بنسعى ليه. لما قدمنا كنا عارفين إنهم بيدوروا على شخص واحد بس. كنا احنا الاتنين فاكرين إنهم مش هياخدوا أي واحد فينا، وإنهم هياخدوا قروي يائس تاني، بس اختاروا مارك. فرحت له، بجد، على الأقل راحت لواحد مننا مش لحد تاني. هل تمنيت إنها كانت ليا... طبعاً. بس مارك كان عنده عيلة أكبر، ناس أكتر مسؤول عنهم. كان يستاهلها أكتر. عمري ما هنسى نار الغيرة البيضا السخنة اللي اجتاحتني لما سمعت. عمري ما حسيت كده ناحيته لحد اليوم ده. وعدت نفسي إني عمري ما هحس كده تاني. "صح. طيب، لو حسيتي إنك عايزة تيجي، بس قوللي النهاردة. ارمي حصى على شباكي ولا أي حاجة." "أوووه، يا له من رومانسية،" قلت وأنا بطلع صفارة خفيفة. أنا ومارك كنا نعرف بعض من واحنا صغيرين، بس عمرنا ما كنا رومانسيين ناحية بعض. كنا احنا الاتنين عنيدين أوي لدرجة إننا ما طورناش مشاعر. مرة حسيت بإعجاب عابر ناحيته، بس اختفى بسرعة. كان مزعج أوي. مألوف أوي. إني أحبه كان هيبقى زي إني أحب أخ أتخيله. "بس قوللي إنك هتفكري فيها؟" سأل وهو بيبص عليا. كانت عيونه بني دافئ لدرجة إني نسيت البرد لثانية. "لاحظت إنك شكلك... زعلانة شوية الفترة الأخيرة. افتكرت إنك ممكن تكوني محتاجة شوية ترفيه." "صح،" قلت. ما كانش غلطان. أبداً. كنت محتاجة ترفيه. الأوضاع كانت بتسوء هنا. كنا بنخسر فلوس. العلاوة اللي الجيش كان بيديها لتيلي بعد إصابتها كانت بتقل، ببساطة ما بقوش يكلفوا نفسهم يدّوها المبلغ الصح. كنا عايشين على الفضلات. بقيت بنام جنب النار دلوقتي، بطانياتي خفيفة أوي ومش بتدفيني بالليل. بصحى متغطية رماد. "إنتِ عارفة، ممكن نهرب لسه، صح؟" قال. كنا بنخرج من السوق دلوقتي، وبنوصل لصفوف البيوت، اللي كانت يا إما بتتفكك يا إما بتعفن. الناس كانت لازم تبني بيوتها بنفسها من الأساس هنا. وغني عن القول، ما كانتش مثال ممتاز لشكل المعيشة المريحة المفروض تكون عاملة إزاي. "أيوة صح. نعيش مع الجني ونشرب مية من الترع، وناكل إبر صنوبر؟" سألت وأنا بضحك بصوت عالي. الجني كانت أسطورة اخترعها الأطفال، حاجات أنا ومارك كنا بنقعد نرغي عنها وإحنا صغيرين. عيال المنطقة كانوا بيخترعوا حكايات عظيمة عن محاربي الجني اللي ساكنين الناحية التانية من الغابة. الناحية اللي ما كانش مسموح لنا نروحها. في الحقيقة، ما كناش نقدر نروح بعيد كده بسبب شوية حيوانات مسعورة خطيرة وشوية سكان أصليين كانوا بيقولوا إن معاهم رماح. رماح كانوا بيرموها عليك الأول قبل ما يسألوا أي أسئلة. "بالظبط،" مارك قال، "نتكيف بالسحر ونعيش وسط الحيوانات. أراهن إني هبقى صديق عظيم لسنجاب." صوته كان فيه شوية اهتمام بالفكرة. أنا ومارك كنا بنفكر في فكرة الهروب سوا من واحنا صغيرين. كأن الهروب هيبعد كل مشاكلنا. بس بعدين فهمنا إن كل اللي حوالينا غابة خطيرة. غابة هنتوه فيها ويمكن نموت فيها في أول ساعة من ما نمشي. طبطبت على كتفه. "أي سنجاب هيبقى محظوظ إنه يكون عنده صديق زيك،" قلت. بصلي بغضب ووشي اتفرد بابتسامة عريضة. شفتي اللي تحت اتفتحت شوية بسبب الجفاف. اتأوهت وأنا بطبطب على الدم. "شكلك متخانقة،" مارك قال وهو بيديني خرقة قماش. شكرته وضغطت بيها على الجرح اللي كان بيوجعني. مش هينزف كتير، بس كنت لازم أخليه نضيف عشان أتجنب العدوى. ده اللي كل الناس في "رامي" اللي عايشين بعيد عن المدن كانوا لازم يعملوه. بجد ما كانش عندنا أي مسعفين كويسين ولا أي حاجة، فعشان كده الجروح المصابة كانت عادةً بتؤدي للموت. "معلش، ما عرفتش أجيب مرطب شفايف الفترة الأخيرة،" قلت وأنا بديه كوعي في جنبه. "هبقى أجيب لما نروح السوق تاني. هجيبلك أنت كمان جزمة حرير، عشان تليق على الكحل الدهبي بتاعك." رمشت بعيني لفوق وهو انفجر في الضحك. ضحكتنا ردت في القرية الفاضية. بالليل، أغلب الناس بتروح بيوتها عشان تدور على أي حاجة للعشا، وعشان يضموا بعض عشان يتدفوا من البرد. وصلنا عند باب بيتي وكشرت وأنا ببص على الباب المتشقق. ده أكيد هيدخل البرد. "طيب، هشوفك بعدين،" قال وهو بيبتسم لي. "أيوة. بكرة الصبح،" قلت. "صح، أشوفك وقتها." باس خدي قبل ما يمشي وهو بيصفر لنفسه. ضحكت بخفوت قبل ما ألف وأفتح الباب. نور الشموع الخافت استقبلني، مع ريحة البيت المألوفة. صنوبر وخزامى. ليمون. صاحبة تيلي، هيذر، كانت بتحب الشموع أوي. كانت بتعملهم عشان تجيب فلوس للعيلة. "مش هقدر أقولها يا هيذر!" الصوت كان صوت أختي. وقفت عند الباب، وإيدي ماسكة الحديد البارد بتاع أوكرة الباب. خرافة تانية. أوكر حديد للأبواب عشان تطرد الجني. حكايات أطفال سخيفة. "لازم. مش متوقعة إننا نجيبها صح؟" سمعت هيذر بترد. هيذر كانت المتوترة فيهم هما الاتنين، اللي كانت بتقلق من حاجات معينة وبتتوتر بسهولة. تيلي كانت اللي بتهديها، وتبوس جبينها وتقولها كل حاجة هتبقى كويسة. أكيد ما كانش فيه أي تهدئة بتحصل دلوقتي.

        "أنا..." تيلي اترددت وأنا ضميت شفايفي على بعض. كان المفروض أمشي وقتها، كان المفروض ألف وأقفل الباب ورايا. مارك كان هيخليني أدخل، كان هيستنى لحد ما أتأكد إن الرجوع آمن. "مش هقدر أمشي كده وخلاص." صوت أختي انكسر. عمري ما سمعتها صوتها كده... مهزوم. حتى لما رجعت البيت ورجلها مكسورة. رجل ما اتجبّرتش صح. رجل عمرها ما هترجع تشتغل زي الأول. "ما عندناش اختيار." صوتهم كان بيوطى أكتر دلوقتي، وسمعت واحد فيهم بيقرب من التاني. ده كان وقتي عشان أمشي. خطيت خطوة لورا، وكنت خلاص بفتح الباب تاني، لما سمعت صوت صرير من لوح الأرض الخشب اللي تحتي. "يا خراشي،" شهقت. بصيت للسما، بدعي إنهم ما سمعوش. "إيرا، أنتي هنا؟" هيذر نادت. يا مصيبة، ما فيش خروج دلوقتي. هما الاتنين جم من ورا الزاوية، كانوا ماسكين إيدين بعض جامد أوي لدرجة فكرتني لما ماما وبابا كانوا بيجمعونا على ترابيزة المطبخ، وبيجهزوا يقولولنا خبر وحش. "إيه اللي مضايقك كده؟" قلت. تيلي كانت ضامة شفايفها على بعض، زي ما بعمل أنا لما بتوتر. هيذر كانت بتبصلي بابتسامة قلق، شكلها كان نفسها تيجي تحضني. "مضايقني إيه؟" سألت. الابتسامة دي شكلها كان بيوجعها وهي لازقة على وشها كده. "كأنك هتقوليلي إن كلبي الصغير مات،" قلت. فكيت الطرحة من على رقبتي ولفيتها حوالين صوابعي اللي كانت متلجة. كنت دايماً بردانة أوي، أغلب الأوقات ما كنتش حتى بتعب نفسي أقلع الجوانتي أو العباية لما بدخل. ساعات كنت حتى بنام بيهم. "لأ، لأ،" هيذر قالت وهي بتمد إيدي ناحيتي. لفت دراع حوالين كتفي وضمتني بالراحة. ريحتها كانت خزامى وصابون. حسيت برغبة إني أدخل راسي في رقبتها وأسند عليها. هيذر وتيلي بقالهم سنتين في علاقة. من ساعتها، هي بقت عاملة زي الأم بالنسبة لي. "جبتي العيش للعشا؟" سألت. صوتها علي تلات طبقات على الأقل، وبنظرة واحدة على وشها شفت إن تعبيرها كان مشدود. متصنع. "ممكن ما نعملش كده؟" قلت وأنا بزق دراعها بعيد عن كتفي بالراحة. "نعمل إيه؟" هيذر سألت وهي ضامة إيديها على بعض. "نتصرف كأن كل حاجة تمام وإنتوا كنتوا لسه بتزعقوا لبعض من ثانية." ضميت دراعي على صدري، وبدلك دراعي عشان أدفى. بصيت على النار، الحطب الصغير خلص من إمبارح بالليل، كنت نسيت أقطع تاني، كان المفروض أعمل كده بعد ما أروح السوق. "يا هيذر، عندها حق،" تيلي قالت وهي بتعرج ناحية الترابيزة وقعدت عليها. رفعت أكمامها. ضغطت بصوابعها على جبينها، وبتدلك صدغيها. "إيرا بتشوف كل الخداع بتاعنا." "دايماً بشوف. مستغربة إنك نسيتي،" قلت. هيذر بصت عليا وبعدين على تيلي. رفعت إيديها بسرعة وخبطت بيها على فخادها. "يبقى نقولها دلوقتي أحسن يا تيلي،" قالت. خدت الشنطة من على كتفي ودخلت بيها المطبخ. طلعت العيش والكمثرى بحركة استعراضية وبدأت تخبط الأطباق والسكاكين جامد لدرجة افتكرت إن حاجة هتتكسر. "تقوليلي إيه؟" قلت وأنا مكشرة. تيلي اتنهدت جامد، وضغطت على عظمة أنفها بين صباعها السبابة والإبهام. "أنا..." اترددت وهي بتخبط رجلها السليمة على الأرض. شفت صوابع رجلها اللي لابسة شراب طالعة من خرم في المقدمة. "دوناتيللا جيليرت، قوليلي فيه إيه غلط،" قلت. ممكن أكون خبطت رجلي بغضب شديد بالطريقة اللي هما الاتنين بصوا لي بيها بدهشة. عمرنا ما استخدمنا اسم تيلي الحقيقي في البيت ده، كان تقريباً زي كلمة بذيئة. يمكن أسوأ. كانت بتكرهه. ماما وبابا كانوا بينادوها باسمها الكامل، وهي خدت الاسم الدلع ده بعد موتهم على طول. "جالي جواب النهاردة،" أختي قالت ببطء، كأنها محتاجة وقت عشان تستوعب الكلام بنفسها. "عايزين يرجعوني." حسيت قلبي نط في زوري، وخفت إني أكون هترجع في ساعتها. حسيت إني ممكن أعملها. أرجع كل الأكل اللي ما كانش في جسمي. إيدي كانت بتترعش وأنا بضغط بصوابعي على شفايفي. "ترجعي... ترجعي فين؟" تلعثمت. كنت عارفة أصلاً. كنت عارفة خرا كويس. كنت بس محتاجة إنها تقولها. كنت محتاجة أكون غلط. "للحرب يا إيرا،" قالت بصوت واطي أوي لدرجة إني تقريباً ما سمعتهاش. صوابعي ضغطت على فكي جامد أوي لدرجة إني ممكن أكون عملت كدمة لنفسي. ما لاحظتش. ما اهتمتش. "لأ،" قلت وأنا بهز راسي. "ما يقدروش ياخدوكي. إنتي... إنتي مشيتي. ما يقدروش يرجعوكي." فضلت أهز راسي جامد أوي لدرجة إن هيذر جريت عليا وحضنتني. خفت إني من غيرها كنت هقع. "يقدروا،" تيلي قالت. "ما يقدروش. إنتي حتى ما تقدريش تحاربي!" "مش هحارب،" قالت، "عايزيني أقود كام فيلق. أشتغل على الخطط." "لأ!" صرخت. "إيرا كفاية!" تيلي زعقت وقامت، كفوف إيديها خبطت الترابيزة. اتنفضت وهيذر ضمتني أكتر، وبتمسح على شعري. "ما عنديش اختيار. لو عملت كده هنقبض فلوس أكتر. هقدر أبعتلك كام قرش. مش هقدر أرفض ده." خدود تيلي احمرت، ونفسها كان بيطلع متقطع وسريع. "ما تقدريش تسيبيني لوحدي،" قلت. "لازم،" قالت. دموع لمعت في عيونها البنية. كنت بحب عيونها، كانت أحلى بكتير من عيوني، لونها عسلي أكتر مش بني طيني زيي. "إيرا، لو سمحتي ما تصعبيش الموضوع أكتر ما هو صعب." شهقت، ودموع نزلت على خدودي، وغرقت ياقة قميصي. "تيسي-" "إنتي عندك تمنتاشر سنة. قربتي على تسعة عشر،" قالت بصوت واطي وبارد. "إنتي محتاجة الفلوس دي عشان تلاقي شغل مناسب وما... تموتيش. مش هقدر أخسرك." "وأنا مش هقدر أخسرك،" قلت. طلعت من حضن هيذر ومشيت ناحية أختي. ما كناش ناس بتحب اللمس، أنا وهي، ما كناش بنحضن أو نبوس بعض على الخد. كنا قريبين، أيوه، بس ما كناش بنحس إننا محتاجين نواسي بعض جسدياً، وده السبب اللي خلاني ما نطيتش في حضنها وعصرتها جامد. "ليه محتاجينك ترجعي؟ إيه اللي حصل للي كان بيحط الخطط بتاعهم زمان؟" سألت. كنت اتأثرت أوي قبل كده، كنت محتاجة أتعامل مع الموضوع ده بهدوء وحزم. القلق مش هيوصلني لحاجة. "مات،" تيسي قالت. مدّت إيدها في جيبها وطلعت ورقة تخينة، الأطراف كان عليها تراب وفيها بقعة حبر أحمر في الزاوية. لأ، مش حبر... دم. بلعت المرارة اللي طلعت في زوري. رمتلي الجواب وقريته كله. كان مكتوب فيه اللي قالتهولي، إنهم محتاجينها ترجع، وإنهم هيعوضوا وقتها بإنهم هيبعتوا فلوس هنا. "يعني هتروحي؟" سألت وأنا برمي الجواب تاني على الترابيزة. ما قدرتش أبص على الحاجة دي أكتر من كده، ده غير إني ألمسها. الكتابة كانت بخط غاضب وحاد، والختم اللي بره شكله كان مستعجل. حبر كتير أوي، وما ذابش كفاية أو برد صح. تيلي هزت راسها على سؤالي. "وأفترض إنك أنتي كمان؟" هزيت راسي ناحية هيذر. خدود هيذر احمرت تحت بشرتها البنية الفاتحة، وطّت راسها وحطت إيديها ورا رقبتها. "مش عارفة إذا كنتي فاكرة ولا لأ، بس أبويا ملازم. هيأمن لنا وسيلة نقل آمنة هناك وهيحمينا في المعسكر." هزيت راسي وأنا بعض على شفتي اللي تحت. أكتر حاجة كنت بخاف منها من ساعة ما ماما وبابا ماتوا كانت إني أبقى لوحدي. كنت بحلم كوابيس عن كده، إني من غير أي حد، لوحدي خالص. طول عمري كان عندي أختي أعتمد عليها، وبعدين هيذر، ودلوقتي هما الاتنين هيبقوا... مش موجودين؟ "أنا آسفة يا إيرا،" هيذر قالت وهي بتمد إيدها كأنها هتلمس كتفي، بس بعدت عنها. نزلت إيدها، وشفايفها الوردية اتقلبت لتحت وبقت مكشرة. "هتغيبوا قد إيه؟" حسيت بوجع حاد في إيدي، وبصيت لتحت وشفت صوابعي متنية على شكل قبضة. ضوافري ما كانتش طويلة، بس كنت قافلة إيدي جامد أوي لدرجة إنها قربت تخترق جلدي. "على قد ما يحتاجوني. ممكن كام أسبوع،" تيلي قالت. رفعت كوباية شاي لشفايفها، ونفخت على السطح مع إن ما كانش فيه بخار طالع منها. "أو كام شهر،" هيذر أضافت. "أو كام سنة،" قلت الحاجة اللي كنا كلنا بنفكر فيها بس ما حدش جاب سيرتها. هيذر فتحت بوقها عشان تعترض بس رفعت إيدي. "ما عندكيش اختيار، أنا فاهمة ده. لازم تعمليها، مش همنعك. لو ده هيساعد العيلة يبقى لازم تعمليها." تيلي قفلت بوقها فجأة، وبصتلي بدهشة. ما كانتش متوقعة الرد ده. يمكن كانت متوقعة إني هتخانق وأزعق وأتوسل ليها ما تمشيش. وبصراحة، جزء مني كان عايز يعمل كده، بس ما عملتش. ما قدرتش. كان هيبقى أناني أوي. تيلي ما اشتغلتش شغلانة من سنتين، من ساعة ما رجلها اتكسرت. من ساعتها وهي... مختلفة. أظن إنها شايفة نفسها خيبة أمل. كأني ممكن أكون زعلانة من أختي بطلة الحرب. "شكراً،" همست، كأني حليت صراع كبير بينا. أو صراع كانت بتجهز نفسها ليه. "عايزة تساعديني أقطع العيش؟" هيذر سألت وهي بتبص عليا. "هحط عليه توت، ده اللي بتحبيه." ما كنتش نفسي آكل، في الحقيقة، كنت لسه حاسة إني عايزة أرجع. بس ما كنتش غبية، ما كنتش هفوت وجبة عشان بس حاسة إني عنيدة وهخبط رجلي احتجاجاً. "أكيد،" تمتمت، وبعدين مشيت وراها بطاعة للمطبخ. أكلت من غير ما أدوق ونمت ودموع مغطية رموشي وطعم الملح وبلع ريق ناشف على لساني. ما رحتش البحيرة مع مارك تاني يوم. غالباً كنت هجمد البحيرة أول ما أنزل فيها. عمري ما حسيت بالبرد ده.

        مرت الأيام ببطء وثقل، زي الساعات اللي بتسبق العاصفة. البيت بقى ساكت أكتر من الأول، ريحة اللافندر والصابون قلت، وبقت ريحة الصنوبر والليمون هي اللي غالبة. كنت بقضي وقتي وأنا بساعد هيذر في شغل الشموع، صوابعي بتوجعني من كتر اللف والتقطيع، بس على الأقل كان فيه حاجة بتشغلني. بالليل، كنت برجع أنام جنب النار، البطانية الخفيفة مبتدفيش كويس، بس كنت بتخيل إني لسه سامعة صوت تيلي وهي بتتنفس جنبي. في يوم من الأيام، وأنا قاعدة قدام النار لوحدي، سمعت خبط خفيف على الباب. قلبي دق بسرعة، حسيت بشوية أمل سخيف. يمكن يكونوا رجعوا؟ يمكن الحرب خلصت بسرعة؟ قمت جريت وفتحت الباب، بس مكنش فيه حد. بصيت حواليا في الضلمة، مفيش أي حركة. بس لما رجعت بصيت على الأرض عند عتبة الباب، لقيت حاجة صغيرة لونها أبيض. ورقة مطوية. التقطتها وإيدي بتترعش، ودخلت جوه وقعدت جنب ضوء الشمعة الخافت. فتحت الورقة ببطء، لقيت عليها رسمة بسيطة. رسمة لثلاث بنات صغيرين ماسكين إيدين بعض، واقفين قدام غابة كبيرة وضلمة. مفيش أي كلام مكتوب. فضلت باصة للرسمة دي كتير، بحاول أفهم معناها. مين دول؟ وإيه علاقتهم بيا؟ وإيه اللي جاب الورقة دي عند باب بيتي؟ في الآخر، طويت الورقة تاني وحطيتها تحت المخدة. حسيت بنغزة برد غريبة في قلبي، زي إحساس بالخوف مخلوط بشوق غامض. طلعت برا البيت تاني، وبصيت على الغابة البعيدة اللي كانت باينة من بعيد في ضوء القمر الشاحب. حسيت كأن حد بيناديني من هناك، صوت خفيف زي الهمس، بس مقدرتش أميز الكلمات. فضلت واقفة شوية، مستنية، باصة على الضلمة اللي كانت بتبلع كل حاجة. وبعدين، حسيت بحركة خفيفة ورايا. لفيت بسرعة، بس مكنش فيه حد تاني. غير الظلال الطويلة اللي كانت بتتحرك مع الريح الخفيفة.

        الفصل الثاني: بائس - ملحمة الأرواح

        الفصل الثاني: بائس

        2025, صالحي عمرو

        فانتازيا

        مجانا

        في ممرات المدرسة القاسية، يتجرع إيثان مرارة التنمر والوحدة، متسائلاً عن سبب قسوة حياته. يعود إلى حضن أمه المثقلة بالحزن، التي تدرك معاناته وتفتقد زوجها الغائب. في الغابة المظلمة، يطلق إيثان صرخة ألمه ليقع في حفرة تقوده إلى مكان غامض. يستيقظ ليجد علامة مشؤومة على ذراعه بعد نجاته من انهيار وشيك.

        إيثان

        طالب في المرحلة الثانوية، يعاني من الوحدة والتنمر المستمر منذ المرحلة الإعدادية. يتميز بشخصية حساسة ومكتومة، ويفتقد والده. يبدو أنه يمر بتجارب قاسية تكشف عن قوة داخلية مخبأة.

        والدة إيثان

        امرأة محبة وقلقة على ابنها، تعاني من صعوبات الحياة بمفردها بعد رحيل زوجها. تبدو ضعيفة وغير قادرة على حماية ابنها من قسوة العالم الخارجي، لكنها تملك حساً مرهفاً تجاه مشاعره.

        أوليفر

        صديق إيثان منذ الطفولة، ويبدو أنه يواجه تحديات مماثلة في حياته، مثل التنمر. يمثل نقطة الدعم الوحيدة لإيثان في محيطه المدرسي.
        تم نسخ الرابط
        رواية ملحمة الأرواح

        ضحكات علت في ممر المدرسة,كاشفةً عن قسوة قلوب سكان هذا العالم,وقف إيثان مخفضا رأسه لأرض وكتبه مبعثرة تحت قدميه,ملامح وجهه المتألم ليس بسبب الضرب الذي تعرض له بل من الإحراج الذي شعر به,إنخفض لجمع كتبه ويداه ترتعشان ليتخبط إيثان بداخله "لماذا.....لماذا حياتي هكذا". في ممر المدرسة,كان إيثان طالب سنة أولى ثانوي,يحمل قلبا مثقلا بالوحدة,لم يعرف أبا,فقط ذكر إسمه في قصص والدته التي كانت ترافقه منذ أولى خطواته في الحياة كانت هي عائلته الوحيدة لم يكن يشعر بحضور أي شخص أخر سوى أوليفر الذي قابله أول مرة في الروضة,كان أوليفر زميلا وصديقا,يتقاسمان معا كل اللحظات الحلوة و المرة,لكن الحياة لم ترحم أوليفر أيضا فقد كان يواجه هو الأخر تحديات التنمر التي لم تتوقف عن إهانته. بجسده النحيل، وعينيه الزرقاوين، وشعره الأسود، وبشرته الشاحبة، أصبح إيثان هدفًا للتنمر منذ سنته الأولى في المدرسة الإعدادية حتى بداية عامه هذ في الثانوية. كان جيمس ولوكاس ومونيكا يعذبونه يوميًا.

        تمضي ساعات المدرسة الثقيلة، ومع غروب الشمس، يعود إيثان إلى منزله محاولًا إخفاء ندوب قلبه المتقرّحة. يفتح الباب بهدوء، حذرًا من إيقاظ والدته، لكن صرير الباب العالي أيقظها: "ابني العزيز، هل عدت؟ تعال، أمك اشتاقت إليك." وضع إيثان حقيبته، وخلع حذاءه، ثم توجه لغرفة أمه ومن شدة التوتر إنساب العرق من جبينه دخل غرفة والدته بابتسامة خفيفة. اقترب منها واحتضنها كأنّه محارب عاد من معركة شاقة. دمعة تسلّلت إلى خده، فسارع بمسحها. "كيف كان يومك، يا غزالي النحيف؟" سألت. ابتسم إيثان وهو يحكّ رأسه: "كان يومًا رائعًا. قضيت وقتًا ممتعًا مع أوليفر وأصدقائنا الجدد." ورغم ملاحظتها لحزنه الدفين، اختارت ألا تضغط عليه. "سعيدة لسماع ذلك، يا بني." وقف إيثان مبتسمًا بخفة: "ارتاحي يا أمي، سأقوم بتنظيف المنزل وإعداد العشاء." بعد ساعتين من تنظيف المنزل و إعداد العشاء إنتشرة رائحة الحساء اللذيذ في جميع أركان المنزل، أطعم إيثان والدته حتى شبعت ليتأمل في وجهها المتعب الذي كاد أن يغط في النوم ثم نهض، واستأذنها وخرج من المنزل كعادته وأثناء تحديقها في الجدار، قالت بصوت مثقل بالحزن:

        "يا بُني، أعلم أنك تعاني في المدرسة. أكاذيبك لا تخدعني؛ أنت تحك رأسك في كل مرة تكذب فيها. سامحني، يا ولدي... ليس لدي القوة لأغيّر هذا الوضع. لويس، لماذا تركتني أتحمّل هذا وحدي؟ ابنك وأنا بحاجة إليك..." في الخارج، وصل إيثان إلى غابة كثيفة يغمرها ضوء القمر الفضي. تتردد في ذهنه ذكريات المتنمّرين وضحكاتهم الساخرة. زوايا الغابة المظلمة كانت صامتة كأن لا حياة فيها، لكن داخل إيثان كانت صرخات غاضبة تتردد: وقف إيثان رافعا رأسه نحوى السماء ليعم الصمت تلك الغابة فجأتا أطلق إيثان صرخة ألم كان يخبأه منذ الصباح "لماذا؟ ما الذي فعلته لأحصد هذا كل ما أريده هو أن أعيش حياة عادية هل هذا كثير" تسارعة نبضات إيثان من شدة غضبه ليضرب شجرة بكل قوته، ثم صرخ من شدة الألم تراجع إيثان في هذه اللحظات للخلف بسبب ألمه الشديد ليتعثر بجذع شجرة كان يعترض طريقه ويسقط في حفرة سوداء تسارعة الأفكار في ذهنه وإزداد الضغط من حوله همس بصوت خافت: "هل هذه هي النهاية؟ نعم... أمي، سامحيني، هذا قدري؛ سأقابل والدي الآن." ليحس بصدمة قوية في رأسه بعد ساعات، استيقظ ورأسه ينبض بالألم، يتأوه قائلًا: "آه... مؤلم... أين أنا؟ المكان مظلم جدًا." شعاع أحمر إنعكس ضوئه على وجه إيثان، فنهض بصعوبة يتلمّس طريقه متعثرًا، يبحث عن مصدره. وبعد بضع دقائق في ممرّ يشبه النفق، ظهر أمامه عمود حجري على الطراز الروماني، تعلوه قطعة شطرنج على شكل ثور. اقترب إيثان منه، مترددًا في لمسه، لكن فضوله دفعه للاستمرار. مع إقتراب يده من القطعة، ازدادت حرارة الغرفة بذالك أكثر فأكثر، لكنه لم ينتبه، فقد كان تركيزه كله على الضوء الأحمر الساطع منها. وفجأة، شعر بألم حاد يخترق ذراعه، فصرخ من شدته. لم تمر ثانية لتقوم الأرض بلإهتزاز بجنون كان ذالك المكان سينهار على رأس إيثان

        إتسعة عيناه من شدة الخوف لينطلق ركضا محاولا تفادي تلك الصخور المتساقطة من فوقه متجها نحو مخرج مضاء بضوء القمروضع إيثان أمله كله في تلك القفزة الأخيرة نحوى ذالك المخرج ونجا بصعوبة. إستلقى بطلنا في ذالك المكان بجانب طريق سريع محاولا إستعادة أنفاسه ليحس بعد ذالك بلسعات خفيفة على ذراعه ليرفعها محاولا تفحصها لكن ما رأه كان غريبا "ما هذا؟ وشم؟" أود أن أعبر عن امتناني العميق لكل قرائي الأعزاء لوصولهم إلى هذا الجزء من الرواية. أعدكم بأن الأحداث ستشهد تطورًا مثيرًا وزيادة في الحماس مع مرور الوقت. أبقوا متابعين للمزيد من التشويق والإثارة!

        رسائل أحدث رسائل أقدم الصفحة الرئيسية

        Pages

        authorX

        مؤلفون تلقائي

        نظام شراء