في هوى السلطة | رواية فانتازيا ملحمية عن الممالك والحروب والصراعات
في هوى السلطة
2026,
فانتازيا
مجانا
في عالم تحكمه خمس ممالك عظيمة، يولد الأمير "برايدن" وسط نبوءات غامضة وصراعات تتشكل في الظلال. بين جليد إيزاس القاسي، وصحارى تيمة الذهبية، وغابات آهورا المقدسة، وجبال ثانسونيا العنيفة، تبدأ خيوط المؤامرات والطموحات بالتشابك. رواية فانتازيا ملحمية تمزج بين السياسة، والحروب، والأسرار القديمة، وصراع النفوس بين الخير والطمع، حيث لكل شخصية طريقها الخاص نحو القوة أو الهلاك.
برايدن
ولي عهد المملكة الأم، طفل وُلد وسط نبوءات وآمال الممالك الخمسالحاكم راكس
حاكم الأوتار الأربع وملك المملكة الأم، قائد قوي يحمل عبء الحفاظ على توازن الممالكالملكة ترينا
ملكة زكارية مرهقة بعد الولادة، لكنها تمتلك حضورًا راقيًا وهيبة هادئةالندية لايدا
إحدى ندّيات آهورا الحكيمات، تمثل الحكمة والطبيعة والشفاءجارد
وسيط شعب آهورا، رجل هادئ وغامضفالكو
زعيم ثانسونيا، رجل متكبر وقوي وذو شخصية خطيرة، يسعى للنفوذ والسيطرة مهما كان الثمن.هوك
الأخ الأوسط لفالكو، الأذكى بينهم، يتقن التلاعب النفسي والسياسي ويملك عقلًا شديد الخطورة.حيدر
زعيم تيمة الملقب بأسد الصحراء، قائد نبيل يتمتع بالحكمة والشجاعة والقدرة على كسب احترام الجميع.نيكس
قائد الظلال الملكية، محارب وفيّ وهادئ، يتولى حماية العائلة الملكية وقصر المملكة.لوسيف
مساعد نيكس وأحد الظلال الملكية، سريع الغضب ويُظهر ولاءً شديدًا للحاكم والمملكة.إيقار
شاب من إيزاس، يحمل بداخله طموحًا مظلمًا ورغبة عارمة في القوة والسيادة، يرفض تقاليد الأجداد.كيلان
صديق إيقار المقرب، مرح وعفوي، يحاول دائمًا تخفيف حدة صديقه وإنقاذه من أفكاره السوداء.إيروين
فتاة من إيزاس ساعدت إيقار سرًا، وتبدو مرتبطة به بطريقة معقدة وغامضة.رباب
فتاة متمردة من تيمة، عاشقة للصحراء والمغامرة، تمتلك روحًا حرة وعنادًا لا ينكسر.نوار
جارية رباب وصديقتها المقربة، خجولة لكنها مخلصة وترافق سيدتها في كل مغامراتها.أبو الحسن
والد رباب، رجل صارم يخشى على ابنته من أخطار الصحراء والعالم الخارجي.بثينة
والدة رباب، امرأة هادئة تحاول الموازنة بين حنان الأم وقوانين العائلة الصارمة.ماوري
ابنة من ثانسونيا، ذكية ومتمردة، بدأت تدرك فساد الحكم والصراعات السياسية من حولها.
الفصل الأول: المملكة الأم | أقوى روايات الفانتازيا الملحمية
المملكة الأم "بارك الرب هذا اليوم، وليبارك المملكة العظمى وكل الممالك الأربع... لقد رُزق مولانا الحاكم بولد قوي البنية، شديد الصحة، سريع البديهة كما تدعو له كل الممالك أن يكون. ولقد سمّته حكمتنا في الشرق برايدن، والذي يعني في معجم الكون (الشجاعة)، والقادم من الوادي الواسع أين تكمن المعرفة." قالت الندية الكبرى الندية لايدا، الحاضرة من العالم الأخضر "آهورا". وهنا أومأ الحاكم وهو يترقب وصول النديات ومعهن الطفل. وما إن دخلن، إلا ونهض الملك من عرشه العالي المصنوع من الفضة والمرصّع بجواهر بيضاء طاهرة... وليس الحاكم راكس وحده من نهض، بل القادة من الأوتار الأربع قد استقامت وقفتهم أكثر، وبدا على وجوههم الترقب والتجهّز... العيون سُلِّطت على الموكب القادم من داخل حجرة الولادة... ها هو ذا عرش أبيض كالسحاب، تحمله النديات الأربع القادمات من "آهورا"... وقد حملن على عاتقهن الاعتناء بصحة الأمير والخليفة القادم للمملكة الأم. أخذ الحاكم الوالد راكس يتمعّن في طفله الأمير برايدن... تقاسيمه، وعبرات وجهه المستدير كقمر مكتمل، توسطته عينان زرقاوان كأمواج المحيط، مع زُغبات شعر داكنة كظلمة ليلة عاصفة، ناعمة كالحرير... ليس فقط طفلًا ملاكًا لا ذنوب له، بل وابن كريم من أم كريمة -أميرة زكار-، وولد حاكم الأوتار الأربع راكس... هنا سادت القاعة الكلسية البيضاء، ذات البساط الأرجواني النيلي، هالة من صمت... لم تدم، إذ قاطعتها أصوات نعال خفيفة تتقدم لتطأ البساط النيلي... أصوات من الغابات الرطبة والجنات الفسيحة... «آهورا»... كان من أخذ على عاتقه تمثيل الآهوريين في مباركتهم هو جارد، وسيط بين الشعب والنديات... وفي انسيابية كالأفاعي، خطا برجل بعيدًا عن الأخرى، ويده اليمنى على صدره... وبصوت هادئ، غير مدروس المشاعر: "هنيئًا لنا ولك يا مولانا الحاكم، أميرنا وخليفتنا... كل آهورا تبارك مولودك وتدعو له بالصحة والقوة." ختم مباركته بانحناءة... لو قام بها غيره لمرغ وجهه في البساط، لكن الأفاعي تميل ولا تسقط. إيماءة من الحاكم كانت الرد، وإشارة بإمكانية النزول عن البساط النيلي. "ثانسونيا"، أرض جبلية تلبدت سماؤها صقور طمّاعة... سُمّيت رياحها القوية بـالرياح السارقة، حيث لا تعلم من هو خاطفك... ممثلها كان زعيمها أمورقان فالكو... وبينما مشى خطواته نحو منتصف القاعة، كان حزام الصقر الذي ارتداه هو ما حاول الكثير من الزعماء ألّا يتفرسوه بنظراتهم... كانت كل الصقور مثيرة للإعجاب، إذ نُقشت في سمفونية هجوم، ومع كل انحناءة من جناح إحداها تبرز القوة... هي رمز ثانسونيا... كمية الذهب التي استُعملت في صناعة الحزام تُبدي ثروة مالكه... السؤال: هل الثروة من بطش؟ أم من كنوز العائلة كما يزعم؟ تبعه في خطواته أوسط إخوته، هوك، وأرجحهم عقلًا... ولم يكن في حضوره شيء لافت، غير أنه كان واضحًا كيف أنه يد فالكو اليمنى... لم يتعب فالكو نفسه كثيرًا... فقد كانت مباركته عبارة عن انحناءة خفيفة للرأس، بينما وضعت إحدى يديه على جنب الحزام، أما كلماته فتمثلت في قوله بلكنته الخشنة الهادئة: «نحن الصقور من ثامسونيا، نهنئ الحاكم على ابنه... وندعو أن يكون خير خلف.» ساير هوك فالكو في انحناءته، بل وأضاف لها هالة من الاحترام المصطنع... وكما فعل سابقًا، أومأ الحاكم وهو ينظر في وجوههم، متجاهلًا مشاعر الشك، بل وكابحًا لها... من وراء العرش الملكي، همس أحد الظلال الملكية: "حتى كلماته أبدت تكبّره وعدم تأدّبه." رد عليه زعيمه قائلًا: "اهدأ يا لوسيف... الأيام بيننا ليست بالقصيرة، وسنحرص أن يكون لها الدور في تأديبه." وما إن رفعا رأسيهما وتوجها عودةً لمكانهما مع الحضور، قال هوك بصوت خافت: "أنت لم تصلِّ حتى تدعو... يا لك من منافق." "انسَ الأمر... الكل منافق إن تعلق الأمر ببقائك في السلطة، والكلام... هو أسهل النفاق." قال فالكو ردًا، بينما جالت عيناه حول القاعة يعاين من سيتقدم تاليًا... وفعلًا، كان قد تقدم موكب بالفعل... هم موكب تيمة... وكأنهم يحملون الصحراء في طيات ردائهم الخلفي، الذي تزركش بألوان بين سماء الصحراء ورمال الأرض... عيون بؤبؤها سواد، ومحيطها شعلة من نار... لم يتأخر زعيمهم أن انحنى بصدق ويده على قلبه، وقال: "مبروك للممالك العظمى رائدها الجديد... وعدًا نحن له أحسن الجوار وخير سند يا مولانا..." هو وحده من يستحق أن يُرد عليه... خالج الحاكم راكس همس دفعه أن يومئ ويقول: "خيرًا ستكونون." كيف لا يرد على أسد الصحراء التيمية، حيدر... وهو من لُقّب بسابق عصره وأوانه... "هذا ما عهدناه من حيدرة... له طريقته ليجعل الحاكم يخجل من عدم رده عليه أو تجاوزه..." قال زعيم الظلال الملكية للوسيف، الذي لم يقل شيئًا، غير أنه كان لا يزال منزعجًا من الوجود الثانسوني... جلبت ملابسهم الجلدية الغليظة البرد للأنفس... وكما هي عيونهم الجليدية، كانت كلمات ممثل الشعب القادم من "إيزاس"، أرض الجليد: "مبروك لك مولانا، ولنا مولد الأمير." انحنى، ثم نهض دون وجود تعبير واحد على وجهه البارد... طنين خفيف صدر من تلك الأبواب الزجاجية النيلية، بينما تفتح ببطء... يتكشف الوجه خلف الباب كأحجية تُفك بتأنٍ... هودج من الفضة الخالصة... الأحجار الكريمة البيضاء لم تغادر المشهد، فقد زينت الزوايا، أين ثُبّتت الستائر الحريرية البيضاء المنسدلة على جوانب الهودج... حُمل هودجها على ظهور أفراد قبيلتها الزكاريين، والذين هم أنفسهم الظلال الملكية، حارسة القصر وضواحيه... سلكوا طريقهم إلى العرش، عبر انحناءة احترام من كل الحضور، ليوضع الهودج أخيرًا أمام عرشها المكسو ريشًا ناعمًا. تقدم كل من نيكس، قائد الظلال الملكية، ومساعده لوسيف، حيث انحنى كلاهما إجلالًا للملكة... "دعيني أساعدك يا مولاتي..." بهدوء تام خرجت كلماته، بينما مدّ نيكس يده ليساعد الملكة على النزول من مكانها... رغم المساحيق، تكلمت الهالات السوداء تحت عينيها عن إرهاقها... شعر أسود طويل... عيون رمادية... بشرة مشعة... الملكة ترينا... هنا، في قصتنا، ترتدي الملكة لون قبيلتها في مثل هذه المناسبات... وبالفعل، كانت ترينا ترتدي فستانًا رماديًا طويلًا، بعثرت على حزامه الذي تدلى من الجانب ورود قرمزية، تماشت مع الجواهر المصفوفة على رقبتها... وبدت لوحة جميلة، حيث انحنت للحاكم زوجها قرب العرش الأبيض الصغير أين يرقد الأمير... لكن ذلك لم يشتت انتباه الحاكم راكس عن حقيقة كم هي مرهقة... وعن رغبته الشديدة في لعن هذه العادات السخيفة التي حفرها أجداده عميقًا في الناس... أومأ برأسه، بينما ظهرت رغبته كبيرة في ضم عائلته الصغيرة إلى صدره الآن، بدل أن يقف أمام هذه الوجوه... بين مخادع وغير معروف... أخيرًا، وضعت الملكة نفسها فوق كرسيها، الذي تحمد الله أنه ليس مثل كرسي الحاكم الزجاجي القاسي... وإلا كانت ستتألم الضعف الآن... الفصل الثانيالفصل الثاني: إيزاس | رواية خيال عن الجليد والقوة
ايزاس: تزفر الرياح عاتية، صافعة أشجار الأودو الثلجية، محاولةً إزاحتها. "تنحنِي... لكن لا تتزعزع..." همس داخلي في جو نفسي عاصف. "تبًا لهذا التناقض..." لا... هذا نتاج عمله... لما يرفض الأخذ بالرأي السديد؟ أتعيقه الـ"في عمره 16 سنة فقط" عن الأخذ مني؟؟ يظن أولئك البلهاء أنك كلما عشت أكثر كنت حكيمًا... وينسون أنهم كلما زاد عمرهم، خرف رأسهم... "سحقًا..." ضرب بيده شجرة الأودو، متسببًا في سقوط كومة من الثلج عليه عبر فجوات ما بين تلك الأغصان المتشابكة... في عاصفة كهذه، ملاذك محبي الجحور، أو تلك الخيام التي تنصبها الأودو بعد أن تنحني لتلامس قمتها الأرض، مشكلةً حاضنة من أغصان وأوراق... تلسعك وأنت ترفع أغصانها قليلًا لتتخذ لك مدخلًا لتلك الحاضنة... ولكن داخلها فجوة تكون أكبر كلما كانت الشجرة أعتق وأطول... متى... متى سيعترف بي كما اعترف بي الجميع؟... لا... لن أكون مثلك، بل وأعظم منك... زفر عميقًا وأغلق عينيه... تاركًا أفكاره تتجمد في أحلام باردة... ..................... "أهههه... أين هو الآن..." صارع كيلان الرياح التي كانت تقاوم تقدمه... هو يتنفس بصعوبة... "رائع... ما أردته هو أن آكل من مائدة الوداع... فحدث أن ودعت طعامي في سبيل البحث عن ذلك الأحمق..." كان حله لإيجاده هو ضرب كل شجرة أودو في طريقه، بعنف أكيد، لتلسعه الأغصان مما يضطره للخروج... فهو لن يخرج بمجرد مناداته... ثم يستحق بعض التعذيب بعد أن كان السبب في تضييع وجبة الغذاء... كان كيلان يفعل ذلك... أما رنته سمارتا، فكانت تشم الأشجار... وفي نهاية المطاف... أنين نقلته الرياح إليه... "سمارتا... هل وجدته؟؟" اتجه إلى حيث سبقته رنته بشجرتين أو ثلاث... مسح رأس رنته بينما قال: "إذن هو هنا... عذبني، ولن أبخل عليه برد الجميل..." حينها ضرب على الأودو، مما جعلها تنثر ثلجها عنها، وتحني أغصانها المدببة على الأرض... إيقار: "اللعنة..." تمتم، بينما نفض نفسه خارجًا بقوة، كاسرًا بعض الأغصان... ظنه دبًا بريًا... حتى رأى ابتسامته الماكرة في عينيه... "أنت هنا... أوووه... لم أكن أعلم..." قال كيلان بضحكة مكتومة، وقبل أن يسمح له بإبداء ردة فعل، أضاف: "أمزح... أمزح... كنت سعيدًا بفعل ذلك..." "ها... إيقار، انتظر..." "... أرجوك، ليس ثانية..." تمتم كيلان، بينما لحق إيقار الذي تقدم بخطوات بعيدًا عنه في انزعاج... "... كف عن تتبعي..." زمجر إيقار بصوت كافٍ ليسمعه كيلان، الذي كان يتبعه مع رنته... أومأ الآخر في انزعاج، ثم قال: "سأتوقف عندما تذهب معي إلى القبيلة... نودع أعمامنا، نأكل اللحم... ومن يكترث؟ تجمد من البرد، ولكن تجمد وأنت ترى جدّي... هكذا لا يضطر أحد لأن يتبعك..." توقف إيقار... وبقوة سحب الوشاح لينسل بعيدًا، ثم وضع يده على فمه، وأطلق ترددات صوتية في شكل أنين خشن يخترق مساحات الغابة... "أكل ما يفكر فيه عقلك هو اللحم؟" قال، بينما استدار ليقابل بوجهه غير المكترث وجه كيلان، الذي حك خصلات شعره الأسود ثم قال بضحكة: "لا... لا... أفكر أيضًا في النوم... والدفء... أساسيات الحياة في هذا الجو... وللأسف، في وجودك، يصعب علي حتى تذكر اسمي..." عاد إيقار بنظره إلى الأفق، بعد أن تنهد تنهيدة اكتفاء من هذا الهراء... "لحظات تسبق ظهور العاصفة..." صوت في أعماقه صرخ بقوة... إرادة بدت في عينيه، وسيثبتها بالأفعال... كيلان، من ناحيته، انتظر وهلة، قبل أن تسبق يده جسده وتربت على كتف إيقار، بينما قال: "أرجوك... لنعد... كفاك تمردًا... سأسقط من الجوع... لنودعهم وتنتهي المعضلة..." "ما فائدة ذلك، أيها الأبله..." رد إيقار دون أن يلقي بطرفه على كيلان... "لا أعرف، فأنا جائع... المهم أن نعود قبل أن ينهوا كل شيء... ويقتلني جدي حتى دون أن يطعمني... آااه... فقط عندما أتذكر أنهم يأكلون لحم ثور المسك الآن، بينما أنا هنا واقف معك..." إيقار داخليًا: ليس وداعهم أو ذهابهم مشكلتي... لا... أبدًا... بل هو كيف يفكرون... الأراضي واسعة على الحدود... لم... لم نخضع لمن هو أضعف منا؟؟ ألأن العجائز يصرون على البقاء على العهد السخيف؟ وما دخلنا بعهد الأجداد؟ هم لم يكونوا في فاقرة... السيادة... والأراضي يستحقها الأقوياء... فقط نحن... أجل... نحن الأقوياء فقط... صرخت الرياح وهي تقذف ثلجها بعنف، وامتد الصمت أطول مما ينبغي... ثم انشطر فجأة... كانت قفزة مخلبية عنيفة على ظهره مباشرة، قوية لإسقاط كيلان من مكانه، وجعله يمرغ أنفه عميقًا في الثلج... "ما هذا..." صرخ، مصارعًا نفسه ليعطي فعلًا مضادًا... دب وذئب في كسوة سوداء كثيفة... رأس كبير ثقيل، بعيون مضيئة صفراء، بؤبؤها خط أسود رقيق... أذنان طويلتان... هو الكيترا، "شيطان الجليد"... "أما زلت محتفظًا بهذا الوحش..." تمتم كيلان، متجنبًا نظرات الكيترا، الذي كان قد أخذ مكانه بجانب إيقار ينتظر أمره... لم يحتج، ولا يحتاج، الكيترا أن تربت على رأسه أو أن تداعب شعره... كل هذا غراء عواطف لا أصل له ولا معنى... أغلبه... وحينها فقط... أنت سيده... "حسنًا... حسنًا..." استطرد كيلان قائلًا: "إيقار... عوقبت لادعائي أني أنا من حررتك من تلك الفوهة اللعينة..." تنهد إيقار مقاطعًا: "لم تفعل شيئًا... خطتي كانت ناجحة... لم يكن عليك الادعاء..." "خطتك؟ ما الذي تعنيه؟..." لم يهتم إيقار باستفساره، بل استدار ومعه وحشه في طريقهما... "أتظن فعلًا أن جدي لم يلحظ النتوءات في الفوهة؟ لقد لاحظها، فأعطاك فوهة غيرها، جدارها الجليدي لزج جدًا... ما حدث أن إيروين..." لم يهتم إيقار بسماع المزيد... مجرد أن نطق كيلان اسمها، فهم الموضوع... اللعنة... مجددًا... صرّ على أسنانه في غضب... لقد قامت بإنشاء النتوءات قبل أن أنزل في الفوهة... يا للعار... الكل يظن أني أحتاج لمساعدة هؤلاء الحمقى لأخرج من فوهة غبية... حملق إيقار في كيلان... الرياح بينهما بدت لا شيء أمام العاصفة القريبة... "لنعد..." قالها إيقار بصوت بارد، مظلم... وأخذ طريقه نحو القبيلة، بعينين مظلمتين... دون بريق آدمي...الفصل الثالث: تيمة | رواية فانتازيا عربية في عالم الصحارى
تيمة "لنذهب إلى الواحة..." قالت، بينما جال عسل عينيها في السماء عبر نافذة غرفتها. "أي واحة يا مولاتي؟ أنتِ تعرفين أنها الصبيحة وستجدين نساء القرية كلهن هناك، وـ" "لا.. لا يا عزيزتي، أنا لا أتكلم عن الواحة العامة، بل ما عنيته هو الواحة التي رقبناها في طريقنا المرة الفارطة." "أتعنين تلك التي وجدناها عندما تهنا عن مخيم الصيد؟" تنهدت رباب، ثم استدارت عن سمائها: "أجل، هي تلك الواحة. أوعليكِ تذكيري أننا تهنا في كل مرة أذكر رحلة الصيد تلك؟ ثم إنها كانت أفضل تيهة في حياتي! استعدي وجهزي الزاد لنذهب، وإن سألتكِ أمي تقولين: —" أجابت عنها نوار: "ذاهبتان للواحة." "أي واحة؟" "الواحة." "هكذا تكون الجارية المطيعة." ربتت على كتف جاريتها، وهكذا أخذت طريقها لتجهز نفسها للذهاب. كانت ترتدي تنورة حريرية رملية، محزومة لخصرها بوشاح أزرق مشبع بزخارف ذهبية، مع قميص مزركش واسع الأكمام. ملست شعرها الأشقر المنسدل على وركيها للخلف، ومن جناح كتفيها إلى قدميها وضعت إزارها الأزرق الناعم وعدلت أكمامه قليلاً؛ فكانت بكل ذلك قد سترت مفاتنها. وأخيراً، تحزم رأسها بعمامة أصيلة تلملم شعرها تحتها، ثم تسحب طرف العمامة على فمها. عند الخروج، مرت بالإسطبل حيث تصهل الخيول الأصيلة. من بينهم كلهم، كان لها فرسها "العنود"؛ فرس بنية بوحمة سوداء ما بين عينيها، لها شعر أسود غطى جبينها، وعيون وافقت عيون مالكتها في حدتها. مالت رباب برأسها تقبلها، فمالت هي الأخرى تلاطفها. سلكت يدا رباب بين شعرها طريقاً لتهدهدها به، ثم أخيراً لتأخذ مكانها على ظهرها. تبعتها جاريتها "نوار" على حصان آخر، كانت رباب تعيرها إياه في رحلات كهذه. من حسن حظهما أن الوالدة كانت خارج المنزل، فلم تحضر "استجواباً" لدى خروجهما. أحبت رباب شعور الرياح وهي تلثم وجهها بينما تبتعد عن أصوات المدينة رويداً رويداً، ومع ابتعادها، كانت قادرة على سماع تلك الرمال وهي تلاعب حوافر فرسها. نوار تعرف متى تكون سيدتها في عالمها الخاص حيث لا يقاطعها حدث ولا يوقفها حديث، فمضت تتبعها في هدوء وهي تنظر حولها. "سيدتي.. ألا ترين أننا ابتعدنا كثيراً؟ لا أقصد الإساءة، لكن.. ربما تهتِ في أفكاركِ ونسيتِ الطريق." رددت نوار بتردد، مخافة أن تخرج سيدتها من عالمها بفجعة وتغضب منها. وما كان رد رباب إلا أنها لم تنتبه أصلاً لما طُرح على مسامعها، بل أتمت طريقها وهي تنشد: صحراءُ لو طُفتَ أعواماً بها .. لقلتَ منها لم يُرَ شيءٌ فهي عوالمُ تلثمُ حباتُها الذهبيةُ موطئي .. كما يلثمُ الطفلُ الرضيعُ النائمُ "ما أجملها من أبيات يا مولاتي!" قالت نوار تحاول رد ابتسامتها وتفاؤلها، ثم أضافت: "أتعرفين ما يقوله القدامى في الصحراء؟" "أكيد، فمثلاً يقولون: يُرى لهذه التيهاء مرتعٌ .. يبلع بين سرابِ حرٍ وهضبِ فديمومةٌ ما سرنا عليها .. وديمومةٌ ما فيها من خير وعطبِ" "وأيضاً يقولون: يا تيهاء أوصلي لمسمعهم، صيحات من طاله الوجد—" ابتسمت رباب ثم قالت مقاطعة: "تعرفين كم لا أهتم بشعر الغزل والحب." "أعرف يا مولاتي، ولا أنا واقعة في غرام أحد، ولكن هي النفس نزيدها علماً وفقط." "زديها من الشعر النافع والرصيد الدائم، فالذي تسمعه للهو اليوم، تطمع نفسك لفعله غداً." بدأت صورة المدينة تتبدد مع شساعة المسافة، وأما ما تبقى من الطريق، فهي صحراء واسعة ترامت في آفاقها صور سرابية؛ لواحات قد تكون خيال ظمآن، أو مسكن لعابر سبيل. "تجاوزنا المضارب كثيراً..." تمتمت نوار وهي تقلب عينيها في الأفق. "انظري هناك! أشجار النخيل الطويلة، نفسها تلك التي رأيناها آخر مرة." أجابت رباب، وقد ضربت جنبي فرسها بخفة لتسرع الخطى نحو الواحة. "مولاتي!" صرخت نوار وهي تحاول مجاراتها. بين فسحات النخيل وأوراقه المتدلية ورائحة العراجين الطازجة، أسرعت بفرسها "العنود" وأطلقت ضحكتها الطفولية المكتومة.. ثم.. أبطأت الخطى فجأة، وكبحت نفسها وفرسها. استدارت واضعة إصبعاً على فمها، منذرة نوار بوجود أشخاص بالجوار. كانت ضحكة واسعة الخاطر ملأت الواحة: "وها قد ربحتُك وفزتُ بالرهان! إذاً، الآن هل نتكلم بالمفيد المفيد وتسمع كلامي يا حيدرة؟" "لولا أن لك حصانك (الأرعد) لما وقفت أمامي، ولكنت تصارع الرمال لتقدمني." "قوة الفرس من قوة الفارس يا رجل!" قالها ثم وضع يده مربتاً على كتف صاحبه حيدرة، واليد الأخرى تسوق حصانه، ثم استطرد: "حسناً، لنجلس مجلس رجل لرجل، ونتكلم في المفيد." من جهتها، ترجلت رباب عن فرسها ببطء، وأهدت لجامها لنوار التي كان قلبها يكاد يغادر صدرها، واقتربت من مكان الصوت لعلها تلقط من الحديث شيئاً.. وفي اللحظة غير المناسبة: "مهلاً!" أوقف حيدرة زميله. ودون كلمة أخرى، أشار إلى المكان الذي سمع منه صوت الصهيل وانتفض يلاحقه. "يا إلهي.. سُمعنا!" تمتمت رباب بكلماتها بينما أسرعت تركب فرسها لتعدو به، ونوار مرتجفة تتبعها نادبة حظهما. زميل حيدرة كان قد امتطى حصانه "الأرعد" بالفعل، ولاحق الفرسين حتى جاورهما، ثم رمى يده فأخذ بلجام أحدهما يجره إليه، ثم صرخ قائلاً لمن ظنه فارساً: "إن كنت فارساً حقيقياً، تعال واحمِ عرضك!" "سـ.. سيدي، هذه أنا نوار." أطلقت صراح كلماتها في رهبة. "نوار؟!" "أبي؟!" رأت رباب المشهد وعادت أدراجها. "هل فوتُّ شيئاً؟ من هاتان الطفلتان الصبيتان؟" قال حيدرة وهو ينظر بين صاحبه وبين الفتاتين. فرد صاحبه قائلاً: "ابنتي.. ابنتي الرباب، وجاريتها نوار." "ابنتك يا أبا الحسن؟ كبرت! تركتها طفلة تلعب بالدمى، والآن تقود خيلاً وتجوب الصحاري!" قال حيدرة ينظر إلى صاحبه وفي كلامه شيء من مزاح. "لا، ليس مضحكاً يا حيدر. وأنتما، فلتشرح إحداكما ما الذي أتى بكما، وأفضل أن تبدئي يا نوار." ترددت نوار ونظرت لسيدتها رباب التي أطرقت رأسها استحياءً، ثم عادت لسيدها وقالت بخجل: "يا سيدي، ما هي إلا الواحة، أردنا المكوث فيها والتمتع بجمالها هنيهة، ثم نعود للديار." "ولم تكفِكما واحة المدينة، ولا كل الواحات بالجوار؟" رد أبو الحسن وفي صوته مخافة غلفها اللوم والغضب. لم تجد الفتاتان عذراً إلا أن أطرقتا رأسيهما للأرض. "أجيباني!" صرخ في وجهيهما، ما زاد من قلق رباب. وما كادت تجيبه حتى أتى حيدرة وقال: "اهدأ يا أبا الحسن، الفتاتان صغيرتان، فعلهما يستحق العقاب لكن ليس الصراخ. ومن أجلي، كن رحيماً." تنهد أبو الحسن محاولاً إعادة ضبط أعصابه: "لنا في البيت شأن يا رباب، وأنتِ أيضاً يا نوار. اركبا فرسيكما الساعة، سنعود للمنزل." أطلق كلماته في هدوء غاضب. وهنا تراجع حيدرة وقال: "لنا موعد يا أبا الحسن، وذلك بعد أن تنهي شؤون بيتك." أومأ أبو الحسن، ثم أشار للفتاتين فتبعتاه. كانت الرحلة مشحونة الأجواء، ثقيلة الكاهل. لم ينبس فيها الأب ولا ابنته بكلمة، إلا أن ما يؤول له الوضع واضح، ولكأنه موقف يُعاد؛ ليس الأول ولن يكون الأخير، فعناد رباب أكبر من أن يكبحه عقاب أو اثنان. أعيدت الخيول مكانها، ولا تزال رباب تحاول لمح عيون والدها الذي لم يلقِ ببصره عليها منذ اللقاء في الواحة. فُتح باب البيت، وكانت "أم الحسن" فعلاً لدى الباب، فقد دخلت للتو من زيارة لإحدى جاراتها. "عدتما؟" قالت والابتسامة في ثغرها، وقد كانت تظن أنهما كانتا في واحة المدينة. وما إن لقطت عيناها الغضب في عيون زوجها حتى قالت: "وأنت أيضاً يا أبا الحسن؟" "أتعرفين أين كانت ابنتك يا بثينة؟ وأين حيطتك وحراستك وتثقيفك لها؟ أتظنينها كانت في الواحة القريبة؟ لا، ولكنها وصلت نهاية الأرض هي وجاريتها، وأحمد الله أني أنا من لقيتها هناك، لا أحد قطاع الطرق أو النخاسين!" قالها بحنق، ثم أدار وجهه لرباب التي ما رفعته منذ نطق، واستطرد قائلاً: "فرسك (العنود) حرام عليكِ من اليوم، والخروج حرام إلا مع أمك. وأنتِ يا نوار.." استيقظت نوار من ذهولها وخوفها وأطرقت رأسها: "نعم يا سيدي." أكمل: "عملك مع (سودة) في المطبخ، ولا أراكِ بعد اليوم لا في مجلس ولا عند رباب. اذهبا عني الآن!" وهنا انفضت الفتاتان، كلٌّ لاقت عقابها. رباب العنيدة نفسها حملت نتائج فعلها على ظهرها وما ناقشت، وما كان ندمها على الفعل، ولكن كان على أنها ما استمتعت بالواحة، وما أطربت بغناء العصافير ولا بعسل العراجين. وأخذت على نفسها عهداً أنها ذاهبة إلى هناك.. ولو اقتضى الأمر العالم كله.الفصل الرابع: آهورا | رواية سحر وأساطير وغموض
آهورا أحسُّ بصدري يتآكل فجأةً... لماذا لم أعد أشعر بنبضِ قلبي؟ وكأنَّ ماءً باردًا ينصبُّ فوق قلبي، يغرقه في بحرٍ هائج، ويصارع قلبي أن يبقى على سطحه طافيًا يستنشق الهواء... أهذه هي الضريبة...؟ آآآهه... مؤلم... إن الأمر مؤلم... دقَّ... دقَّ... لِمَ... لماذا أشعر أنها الدقات الأخيرة؟ أجل... إن قلبي يغرق... إنها شلالات... أجل، أستطيع سماع صوتها وهي تضرب وجه البحيرة بهمجية... سيلها العرم ينساب بين الحجارة القاسية، سالكًا طريقه إلى... آآهههه... أين أنا الآن؟ المياه... هذه ليست بحيرة... الأفق... لا نهاية له... لكن... من أين كل هذه المرايا؟ ها؟ يا إلهي... تحتوي صورًا... إنها صور متحركة... هؤلاء الناس... أظن أني رأيتهم من قبل... أجل، أعرفهم... لكن... مهلًا... مهلًا... هذه... أنا... أجل، لكن صغيرة.. ماذا أفعل هناك؟ أوووه... انتبهي... تلك الطريق مسدودة، اهربي بنفسك ورغيف الخبز إلى طريق أخرى... لا... آه... لقد تحطمت الصورة... المرآة أيضًا... يا إلهي، ذاب الزجاج في الماء... هل ابتلعه الماء فعلًا؟ لكن، ماذا كانت تحويه تلك... أوووه... لا... نسيت... المرايا الأخرى... إنها تتحطم أيضًا... لماذا أحس أن صدري فارغ...؟ ذاكرتي... تُمحى... تلك المرايا... أنا... لا... آآآآهههههه... مجددًا... لماذا أسقط مرارًا وتكرارًا...؟ ما كان ذاك؟ إنها ساخنة على خدي... مالحة... دموع؟ هل... هل أبكي؟ أجل، أنا أبكي... لماذا أبكي؟ لا أحس به... لا أحس بقلبي... انتهى... انتهى كل شيء... °هل تشعرين بالراحة الآن؟° أجل... لا... لستُ متأكدة... ربما... "عليكنَّ الرحمة والبركة... إن أنجزتنَّ امتحان الحياة..." قالت: امتحان الحياة.. °أجل... أنتِ ندية الآن... أتذكرين؟ دائمًا أردتِ أن تكوني الندية الطيبة التي تساعد الآخرين.° من أنت؟ ما هذا الصوت؟ "فقد قُدِّر لكنَّ أقداركنَّ أن تولدن من جديد، لتُمحى خرائب الماضي، فتُمحى معها نفوسكنَّ البشرية الشريرة، لتتطهرن من أحقادها وضغائنها..." أحقاد... وكراهية... أجل، أنا الآن أحس بفراغ... فراغٍ كبير... "ولتكن خدمةً لمخلوقات هذا الكون دون تفرقةٍ في جنسٍ أو لونٍ أو نسبٍ أو جاه... أنتنَّ النشء الجديد من النديات التي تعول عليه الكائنات من الممالك الخمس..." اخترتُ أن أكون ندية... فهل أندم؟ لا... الآن فقط نبدأ... "ولتكتمل فضائلكنَّ... ستُتلى عليكنَّ الركائز الأربع، فانقشنها في عقولكنَّ، فهي كل ما سيبقى لأذهانكنَّ: ١ ـ لنا قدرة المداواة وليس لنا الخيرة في مَن نداوي. ٢ ـ نحن مُسخَّرون لخدمة الآخرين، لا نُحبُّ فنُفضِّل شخصًا على آخر، ولا نكره فننتقم. ٣ ـ نحن تحت حكم الطبيعة، لا تحت حكم النفس والمال. ٤ ـ نحن في خدمة الأرض." هذه هي... هذه هي هويتي بعد الآن... أنا للكل... "وبعد... لكم الآن أن تنطلقن في سبيلكنَّ الذي ستمهده لكنَّ أصواتٌ من الطبيعة... ستُفضي لكنَّ بأنين الجريح وآلام المريض... فاتبعوها... واتخذوها..."الفصل الخامس: ثانسونيا | رواية صراعات الممالك والسلطة
ثانسونيا تراقصت أضواء المشاعل الفضية على أسطح النوافذ العملاقة، المصنوعة من الزجاج التكتيتي، حيث اخترق ضوء القمر ساحة الرقص لتداعب أنوار النجوم ضوءَ المشاعل على نغمة حارة. تُقرع الكؤوس، وتتبادل الضحكات، وتُردَّد الأغاني بينما تلعب الأنامل على القيثارة. الكل يتنعم بفرح ملكهم؛ فالكو في عيد ميلاده الأربعين. أموال طائلة على المبارزات الجماعية صباحًا، تُنفَق في الولائم ما يقدر بربع الاقتصاد، وهذه السهرة الآن... ماذا تريد أن يصل إليه الأمر يا فالكو؟ هل أنت مستمتع بتآكل أموالك تدريجيًا؟ لو أعلم ما الذي تريده حقًا... تمتمت كلمات في أعماقه، صارخةً بنواياه. بخطواتها الخفيفة تقدمت نحوه، قاطعةً هدوءه وحبلَ تساؤلاته الطويل. "أراك تائهًا يا عمّ... فيمَ تفكر؟" مدّت له كأسًا من القيقب الممزوج بالعسل الجبلي. "آآآهه... ماوري..." تنهّد آخذًا الكأس منها، بينما جالت عيناه في المكان ليخفي عنها أفكاره. "أفكر في المستقبل..." بعد رشفة طويلة أطلق كلماته في هدوء تام، بينما أرجح الكأس بين أصابعه لامحًا تراقص الضوء عليه. "مستقبلك... أم مستقبل المملكة؟" سألت بدورها بهدوء، تجاريه في لعبه ما دام يلعب. هنا نظرت عيناه في عينيها باحثًا عن شيء ما... لم تعلمه ماوري. ثم فجأة... ضحكة حكيمة... بينه وبينها فقط. مدّ يده يعبث بشعرها في سخرية قائلًا: "أأنتِ حقًا من كانت تلاحق الفراشات؟ وتسقط فتبكي وتقول إن الفراشات سيئة؟" أبعدت يده عن شعرها واحمرّت وجنتاها، وقالت بحنق: "لم أعد في عمر الخامسة... أنا في الخامسة عشرة الآن." "أجل فعلًا... كبرتِ، وصرتِ ترفضين حتى السادة. سمعت أنكِ رفضتِ دييوس؟" "لي الحق في الرفض." أجابت عاقدةً يديها على صدرها. "أتمنى أن يكون لأبيكِ الحاكم نفس رأيكِ إذًا." قال في لامبالاة، ناظرًا مجددًا إلى فالكو الذي كان يُمرر شرابه عبر حنجرته في دفعات. نظرت ماوري إليه أيضًا، ثم إلى والدتها التي بدت على وشك الانفجار من تصرفاته. لمح هوك ذلك فقال: "أتمنى لو تعي أمكِ أن للحاكم أن يفعل ما يشاء، وأنها كلما تجاهلت ذلك كانت في مأمن." "لا..." كانت الإجابة صادمة. وبعينين حادتين نظرت في عمّها. "لا... ليس له الحق في فعل ما يشاء. يُهدر الأموال في شهواته والأمة في ضياع، غير ذلك يُهين كرامته وكرامة زوجته وكأنه لا يعنيه شيء..." أخرجت نفسًا طويلًا وعضّت على شفتيها تكبح الكثير من أوجاعها. (أجل... هذه هي... هنا نقطة الضعف. فكّر هوك.) "بدأتِ تفهمين مبكرًا... عليكِ الاحتمال إذًا. فالفهم يعني الوعي بما يحدث، والوعي بما يحدث دون تحرك يُصيب الشخص بالجنون. وهنا تعيشين جحيم الفهم... ترى، كم من الوقت يستمر فهمنا دون السبيل إلى فعل شيء؟" توالت كلماته حقائقَ صدّعت في خلدها، خاصةً صيغة الجمع التي خاطبها بها أخيرًا... وهنا أكمل هوك مأربه. (سقطت في العش.) ترك كلماته تتردد في خلدها، بعد أن بثّ دفعة السم الأولى في ضحيته.