رواية السحر الأسود والجن | قصة رعب نفسي مرعبة عن الشياطين
قصة من أعماق الظلام
2026,
رعب
مجانا
حينما توقظ الغيرة البشرية لعنات فرعونية منسية.. رواية رعب ودراما نفسية تتأرجح بين نور اليقين وظلام السحر الأسود.
سلمى
طالبة طب متفوقة من أسرة بسيطة، تتحول حياتها الهادئة إلى كابوس مرعب بعد تعرضها للسحر الأسود،الحاجة سعاد
والدة سلمى، امرأة مكافحة وحنونة، تحاول حماية بناتها وسط انهيار الأسرةنهى
صديقة الطفولة المقربة لسلمى، تظهر بوجه الملاك الحنوناية
الأخت الصغرى البريئة، طفلة في العاشرة من عمرهاعم كمال
والد الأسرة، رجل بسيط ومحب لعائلته، يتغير بشكل غامض تحت تأثير السحرمحمود
شقيق سلمى المراهق، يعيش حالة من الغضب والإنكار
رواية عن السحر والشياطين | قصة من أعماق الظلام
في زوايا هذا العالم الخفية، حيث يختلط طمع النفوس بظلام النوايا، تدور معارك صامتة لا يراها الكثيرون؛ معارك تُسلب فيها الأرواح وتُدمر فيها عائلات بأكملها دون أن تُراق قطرة دم مرئية. إن هذه الرواية التي بين أيديكم ليست مجرد حكاية من نسج الخيال العابر لبث الرعب في القلوب، بل هي مرآة صادقة تعبر عن جزء يسير من معاناة وآلام ضحايا السحر الأسود بكل أنواعه ودرجاته المقيتة. وما هذه السطور المشبعة بالأسى إلا محاولة متواضعة من المؤلف لتسليط الضوء على تلك الأوجاع المكتومة، ولتوصيل صرخة آلاف الضحايا الذين كُبلت أرواحهم في سجون من العذاب غير المرئي، واغتيلت أحلامهم بأيدي من تجردوا من إنسانيتهم. وجب التنويه هنا، وبكل وضوح، أن أي تشابه في الأحداث أو الشخصيات أو المصائر المذكورة بين طيات هذا العمل مع الواقع، ليس له صلة متعمدة بأي شخص بعينه؛ فالحقيقة المرعبة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن أي إنسان، مهما بلغ نقاؤه أو صلاحه، قد يجد نفسه فجأة، وبلا ذنب اقترفه، ضحية لتلك الأفعال المظلمة والقلوب المريضة التي تعشق الخراب. إن اللجوء إلى السحر وتسخير الكيانات الشيطانية لإيذاء البشر ليس مجرد أذى عابر أو خلاف دنيوي، بل هو جريمة بشعة في حق الإنسانية جمعاء، وانتهاك صارخ للفطرة السليمة. إنه معصية كبرى، وذنب عظيم، وكفر صريح حُرّم تحريماً قاطعاً في كافة الأديان السماوية التي جاءت لترتقي بالبشرية لا لتهوي بها في مستنقعات الشياطين. ولكن، لتبقى الرسالة الأهم والأسمى التي تحملها هذه الرواية نورا في قلب كل قارئ وكل مبتلى: مهما تعاظمت قوى الشر، ورغم كل ما يحمله السحر من رعب، ورغم قسوته وأذيته التي قد تبدو للوهلة الأولى طاغية ولا تُقهر، فإنه يظل زائفاً، هزيلاً، وضعيفاً يتلاشى كسراب هش أمام نور وقوة وعظمة الله سبحانه وتعالى. فصاحب الحق المتمسك بيقينه لا يُهزم، ومهما طال ليل الظالمين وتجبرت شياطينهم، فإن فجر العدالة الإلهية كفيل بتبديد كل هذا الظلام.روايات الجن والمس الشيطاني | الفصل الأول: بداية الكابوس
في حواري مصر الشعبية، حيث تلتصق الشرفات وتتداخل حكايات الجيران مع رائحة الخبز الطازج في الصباح، كانت حياة "سلمى" تبدو كقصة نجاح نموذجية. فتاة من أسرة بسيطة، شقت طريقها بامتياز حتى التحقت بكلية الطب البشري. كانت مبعث فخر لوالدتها "الحاجة سعاد"، ونموذجاً يُضرب به المثل في المنطقة. لكن، وكما تتسلل الرطوبة بصمت لتنخر في أساسات البيوت القديمة، بدأ شيء مظلم يتسرب إلى حياة سلمى في سنتها الجامعية الثانية، يحيل نهارها إلى ضباب، وليلها إلى جحيم لا يُطاق. لم يبدأ الأمر بحدث درامي صاخب، بل بتفاصيل صغيرة ومقلقة. إرهاق مزمن لا يزول بالنوم، ثقل غريب يستقر على صدرها بمجرد أن تعبر عتبة باب شقتهم، وشعور دائم بالمراقبة. كانت تبرر ذلك في البداية بضغط المذاكرة، وكتب التشريح الثقيلة، وساعات السهر الطويلة. كانت تقول لنفسها ولأمها القلقة: "إنه مجرد إرهاق يا أمي، امتحانات العملي تقترب". لكن الطب الذي تدرسه وقف عاجزاً أمام ما كان ينتظرها في زوايا غرفتها. غرفتها، التي كانت تعتبرها ملاذها الآمن ومحراب أحلامها، تحولت تدريجياً إلى زنزانة خانقة. بمجرد أن تغلق الباب وتطفئ النور، كان الهواء يثقل حتى يصبح استنشاقه كمن يحاول التنفس تحت الماء. كانت تشم رائحة خفيفة، مزيجاً مقززاً من التراب الرطب والصدأ العتيق، رائحة لا يشمها أحد في البيت غيرها. كانت الظلال المتساقطة من ضوء عمود الشارع عبر نافذتها الخشبية تتشكل على هيئة كيانات تراقبها بصمت، تقترب منها ببطء شديد، وتنتظر اللحظة التي تستسلم فيها للنوم. وعندما يأتي النوم، تبدأ فصول العذاب الحقيقي. لم تكن مجرد أحلام مزعجة، بل كوابيس حية تتنفس وتنبض بالرعب. كانت تجد نفسها تركض في حارة تشبه حارتها، لكنها مهجورة، جدرانها تنزف طيناً أسود، ولا نهاية لها. وخلفها، كان يتردد صدى خطوات سريعة، لهاث حار، وصوت مخالب تحتك بالأسفلت الخشن. قطيع من الكلاب السوداء الضخمة، عيونها تتوهج بحمرة شيطانية خبيثة، وأجسادها تفوح منها رائحة الجيف. كانت تركض حتى تدمى قدماها، لكن الكلاب كانت تدركها دائماً. في كل ليلة، كانت تشعر بأنيابهم تنغرس في لحمها، تمزق ثيابها وتنهش أطرافها بلا رحمة. كان الألم واقعياً لدرجة أنها كانت تستيقظ في منتصف الليل، تصرخ بصوت مكتوم لا يغادر حنجرتها، وملابسها غارقة في عرق بارد، لاهثة كمن كانت تخوض معركة حقيقية من أجل البقاء. المرعب في الأمر أن أثر هذه الكوابيس لم يكن يختفي مع شروق الشمس. ذات صباح، وقفت أمام مرآة حمامها القديمة، تنظر إلى انعكاسها الذي لم تعد تتعرف عليه. وجهها الشاحب، الهالات السوداء العميقة التي ابتلعت بريق عينيها، والذبول الذي كسا ملامحها الشابة. وبينما كانت تمرر المشط في شعرها الأسود الطويل الذي كانت تعتز به، سقطت خصلات كاملة بين يديها. لم يكن تساقطاً طبيعياً، بل كانت الجذور تتخلى عن فروة رأسها كأنها تهرب من جسد يحتضر. جلست على حافة حوض الاستحمام وبكت بصمت، مرعوبة من فكرة أنها تتآكل من الداخل إلى الخارج. لم يتوقف الجسد عن إرسال إشارات الاستغاثة عند هذا الحد. بدأت تلاحظ ظهور كدمات زرقاء مائلة للبنفسجي في أماكن متفرقة من جسدها؛ على فخذيها، وذراعيها، وحتى حول عنقها. كدمات دائرية غريبة تشبه آثار قبضة يد قوية أو أصابع اعتصرت لحمها بقسوة أثناء نومها. أثارت هذه العلامات ذعر الحاجة سعاد، التي جرت ابنتها من عيادة إلى أخرى. أطباء أمراض الدم، أطباء الجلدية، وحتى أطباء الأعصاب. كانت نتيجة التحاليل الطبية الشاملة تخرج دائماً مطابقة للمواصفات الطبيعية، ولا يوجد أي تفسير علمي. "الآنسة سلمى بصحة ممتازة، ربما هو نقص طفيف في الفيتامينات أو ضغط نفسي شديد"، هكذا كان الأطباء يرددون ببساطة، بينما كانت سلمى تنظر إلى جسدها المكدوم وتعرف يقيناً أن هناك كياناً غير مرئي يشاركها إياه ويعتدي عليها في غفلة من الزمن. في تلك الفترة المظلمة، كانت "نهى"، صديقة الطفولة وجارتها المقربة، هي الزائر الدائم. كانت نهى تدخل الغرفة التي ترفض سلمى مغادرتها، تجلس على حافة السرير، وتمسح على رأس سلمى بحنان زائف. كانت عينا نهى تتفحصان الكدمات وتساقط الشعر باهتمام مرعب، اهتمام يخفي خلفه نشوة الانتصار المريض والتشفي. كانت تقول بنبرة مواساة ممزوجة بالشفقة المصطنعة: "إنه الحسد يا سلمى، عيون الناس في الحارة لا ترحم تفوقكِ ودراستكِ في كلية الطب. لا تقلقي، سأبخر لكِ الغرفة بنفسي كل يوم، وسأقرأ لكِ الرقية". كانت نهى تحضر مبخرة نحاسية قديمة، وتضع فيها بخوراً ذا رائحة نفاذة وغريبة، زاعمه أنه بخور مبارك جلبته من أحد الأضرحة لفك العقد وطرد العين. لم تكن سلمى تعلم أن الدخان الذي يملأ غرفتها ويخنق أنفاسها لم يكن سوى تعويذة إضافية، تغذي الكيانات السفلية التي سُلطت عليها، وتزيد من كثافة الظلال التي تحاصرها. كانت نهى تقوم بترتيب سرير سلمى، وتدس بيديها خيوطاً معقدة معقودة بطلاسم دقيقة تحت مرتبتها، ثم تودعها بابتسامة دافئة، تاركة إياها وحيدة لتواجه ليلة جديدة من نهش الكلاب السوداء والاختناق البطيء. هكذا، تحولت حياة طالبة الطب اللامعة إلى سلسلة متصلة من العذاب الجسدي والنفسي. فقدت القدرة على التركيز، وتراجعت درجاتها بشكل مخيف، وأصبحت تتجنب النظر في عيون زملائها خوفاً من أن يقرأوا الرعب المكتوم فيها. أصبحت تعيش على حافة الجنون، معلقة بين واقع يرفض تصديق معاناتها، وعالم سفلي ينهش في روحها كل ليلة، بانتظار اللحظة التي ستنهار فيها تماماً، غير مدركة أن أقرب الناس إليها كانت هي من تعزف لحن هلاكها بصبر شيطاني. لم تتوقف عذابات سلمى عند حدود سريرها، بل بدأت اللعنة تتمدد لتبتلع يقظتها، محولة إياها إلى كابوس مستمر. وكما هو الحال في الحالات الحقيقية والموثقة للمس الشيطاني وتسلط الجن، حيث يضعف الحاجز بين العالمين، بدأت سلمى تعاني من "أحلام اليقظة" المروعة والهلاوس البصرية والسمعية في وضح النهار. كانت تجلس في صالة المنزل تذاكر دروسها، فتلمح بطرف عينها خيالات سوداء طويلة تعبر الممر المؤدي إلى المطبخ بسرعة خاطفة. وعندما تستدير، لا تجد شيئاً سوى هواء بارد يلفح وجهها. أصبح الحمام بالنسبة لها غرفة رعب مكتملة الأركان. كانت تسمع همسات خافتة، أصواتاً مبهمة تناديها باسمها من فتحات التهوية، وعندما تغسل وجهها وترفع رأسها لتنظر في المرآة، كانت تقسم أنها ترى لثانية واحدة ملامح وجه بشع، مشوه ومحترق، يقف خلفها مباشرة، يبتسم بأسنان مدببة قبل أن يتلاشى. هذه الأحداث، التي تتطابق تماماً مع روايات ضحايا السحر الأسود الحقيقي، جعلتها تفقد الثقة في حواسها، وتعيش في حالة من الترقب المرضي والانهيار العصبي المستمر. لكن السحر الخبيث، كالنار التي لا تكتفي بحطب واحد، بدأ يمتد ليحرق من حولها، ليتجاوز جسد سلمى وروحها المنهكة، ويبتلع كل ركن من أركان المنزل الصغير. لم يكن سحراً عادياً، بل كان طاقة سفلية سوداء، أشبه بوباء غير مرئي يتسرب في مسام الجدران، يتغذى على الدفء الأسري ويطرح مكانه صقيعاً ينخر في العظام. طاقة المنزل بأسره تغيرت؛ تلك الشقة التي كانت تنضح برائحة الخبز الطازج، وصوت تلاوة القرآن في الصباح، وضحكات العائلة الملتفة حول مائدة طعام واحدة، تحولت إلى مقبرة للأحياء. الجدران التي كانت تحمل صور العائلة بابتساماتهم القديمة، أصبحت كئيبة وباردة بشكل غير طبيعي، حتى في أشد أيام الصيف حرارة، كانت جدران الشقة تنضح برطوبة تشبه برودة ثلاجات الموتى. تقشر طلاء الحوائط ليرسم بقعاً داكنة تبدو للناظر في العتمة وكأنها وجوه مشوهة تصرخ بصمت. ذبلت نباتات الزينة التي كانت تعتني بها الأم في الشرفة، اسودت أوراقها وتفتتت كأن أنفاساً مسمومة قد لُفحت بها. الرائحة في المنزل تغيرت؛ اختفت رائحة النظافة والبخور الطيب، وحلت محلها رائحة ثقيلة، مزيج خفي من عفونة المياه الراكدة والتراب القديم، رائحة تزكم الأنوف ولا تزول مهما فتحوا النوافذ أو سكبوا المعطرات. وفي خضم هذا التلوث الروحي، كان الضحية الأكثر إيلاماً هي البراءة المطلقة؛ أختها الصغرى "آية"، تلك الطفلة ذات العشر سنوات، والتي كانت تمثل الفرحة المتبقية والمشاغبة المحببة في البيت. تحولت آية من طفلة تركض وتغني، إلى كائن مذعور، ينكمش على نفسه في زوايا الغرف. بدأت المأساة مع آية بشكل تدريجي؛ في البداية كانت ترفض النوم وحدها، تبكي وتتوسل لأمها أن تترك ضوء الغرفة مضاءً، وتشتكي من أن "الظلال تتحرك عندما تغمض عينيها". لكن الكيان الشيطاني الموكل بتدمير البيت لم يكتفِ بإخافتها، بل تجسد لها بأبشع صوره. في إحدى الليالي الشتوية الكئيبة، حيث كان سكون الحارة مقبضاً، استيقظت آية على صوت خشخشة غريبة تشبه احتكاك أظافر قاسية بالسقف. فتحت عينيها ببطء، وكان الهواء في غرفتها ثقيلاً وبارداً كالثلج، أنفاسها تخرج في سحابات بيضاء متقطعة من شدة الرعب. لم تستطع تحريك أطرافها، وكأن جبلًا من الرصاص قد جثم على صدرها، وهي حالة تُعرف في أوساط الممسوسين بالجاثوم أو الشلل النجمي، لكن ما رأته آية لم يكن مجرد هلوسة نوم. عندما رفعت بصرها نحو السقف المظلم، رأت المشهد الذي سيحفر في ذاكرتها للأبد. كان هناك "رجل" التصق بالسقف كما تلتصق العناكب، لكنه لم يكن بشرياً. كان طويلاً جداً، أطرافه ممتدة بشكل غير طبيعي، ومفاصله ملتوية بزوايا مستحيلة وكأن عظامه لينة وكأنها متحللة . كان يزحف ببطء شديد متجهاً نحو المنطقة التي تعلو سريرها مباشرة. لم تكن له ملامح واضحة في الظلام، سوى عينين جاحظتين تتوهجان بحمرة دموية، كجمرتين مشتعلتين في نار شواء. كان يحدق فيها مباشرة، ويبتسم ابتسامة شقت وجهه المظلم، كاشفاً عن أسنان إبرية متراصة. حاولت آية الصراخ، لكن حنجرتها كانت كمن ابتلعت غراء . عندما تدلى الكيان برأسه لأسفل، مقترباً من وجهها حتى كادت تشم رائحة أنفاسه التي تشبه رائحة اللحم المحترق، انفجرت صرخة هستيرية مدوية من أعماقها، صرخة مزقت سكون الليل وأيقظت الجيران في الحارة بأكملها. اقتحمت الأم وسلمى الغرفة لتجدا آية متكورة في زاوية السرير، تبولت على نفسها من فرط الرعب، تشير بأصابع ترتجف بعنف نحو زاوية السقف الفارغة، وتصرخ بصوت مبحوح ومتقطع: "الوحش ذو العيون الحمراء! إنه هناك! يريد أن يأخذني!". منذ تلك الليلة، فقدت آية قدرتها على الكلام المنتظم، أصابها تبول لا إرادي مزمن، وأصبحت لا تنام بانتظام والدتها، ترتجف كلما سقط ظل على الحائط، لتتحول طفولتها إلى حطام تناثرت بقاياه تحت أقدام الشياطين. أما الحاجة "سعاد"، الأم التي كانت وتداً للبيت، الصدر الحنون والملاذ الآمن المتبقي لبناتها، فقد كانت هدفاً رئيسياً لهذا السحر الخبيث الذي أراد أن يهدم الأعمدة ليخر السقف على الجميع. بدأت انهيارات الحاجة سعاد جسدياً؛ حيث هاجمتها نوبات من الصداع النصفي القاتل، صداع لا يشبه أي ألم طبي، بل كانت تصفه وهي تلطم خديها بأن "هناك مسامير من نار تُدق في جمجمتها ". كانت تبتلع أشرطة المسكنات دون أي جدوى، فتهاوت قواها، وأصبحت أسيرة لسريرها أياماً متواصلة لتقوم يوم او يومين وتمرض ثلاث، تئن بصوت خافت يعتصر قلب سلمى دماً. ترافق هذا الألم الجسدي مع غشاوة سوداء من الاكتئاب المفاجئ والمطبق. الأم التي كانت تستيقظ مع الفجر لتصلي وتدعو لبناتها، أصبحت تنفر من سماع الأذان، تبكي بلا سبب، وتتمنى الموت في كل لحظة. شعرت بظلام يطبق على صدرها، وكأن صخرة هائلة وضعت على قلبها تمنعها من الشعور بأي عاطفة تجاه بناتها. ولأن السحر السفلي يتلاعب بالقرين ويشعل نيران العداوة، تحول هذا الاكتئاب إلى نوبات من الغضب الأعمى والوحشي. السيدة الهادئة والمصلية أصبحت تفتعل شجارات عنيفة لأتفه الأسباب. في أحد الأيام، أسقطت سلمى كوباً من الشاي بالخطأ على السجاد المتهالك. في ظروف طبيعية، كانت الحاجة سعاد ستمسح على رأس ابنتها المريضة وتقول "فداكِ يا ابنتي". لكن ما حدث كان مرعباً؛ انتفضت الأم مكشره، وبرزت عروق رقبتها، وبدأت تصرخ بصوت خشن غريب لا يمت لصوتها بصلة، صوت يحمل حقداً دفيناً. و انهالت على سلمى بالضرب والشتائم القاسية، تلعن اليوم الذي أنجبتها فيه، وتتهمها بأنها سبب الخراب والفقر الذي حل بالأسرة كلها. كانت تنظر إلى سلمى ليس كابنة، بل كعدو لدود، عيناها تلمعان بقسوة مرعبة لم تعهدها سلمى قط. وبعد أن تفرغ شحنة الغضب الشيطاني، كانت الحاجة سعاد تنهار على الأرض، تنظر إلى يديها المرتجفتين وإلى ابنتها التي تبكي في الزاوية، وتجهش بالبكاء المرير، تضرب وجهها بقسوة وتصرخ: "ماذا فعلت بأبنتي لست أنا وتريد ان تقسم لسلمى أن شيئاً أسود يتحكم في عقلي! أخرجوه مني! " ولكن مع الاسف لا تستطيع التذكر او الحديث وكأنها تفقد الذاكرة القصيرة اول بأول بخصوص هذه الاشياء. كانت هذه الدوامة من العنف والندم هي الأقسى على الإطلاق. لقد نجح السحر في تمزيق أقدس رابطة على وجه الأرض، رابطة الأمومة. جعل الأم جلاداً لابنتها رغماً عنها، وجعل الابنة ترتعب من حضن أمها. تحول المنزل الصغير في الحارة الشعبية إلى مسرح لدراما مأساوية لا تنتهي؛ كل غرفة فيه تحمل عذاباً مختلفاً؛ طفلة فقدت نطقها من الرعب، أمٌ تنهشها الشياطين من الداخل وتحيل حبها إلى غضب مدمر، وفتاة جامعية تقف في المنتصف، تنظر إلى هذا الخراب، وتدرك بيقين يائس أن الجحيم ليس مكاناً تحت الأرض، بل هو شقتهم ذات الباب الخشبي القديم. وهنا، انقض الواقع ليضيف طعنة أعمق من طعنات الجن. في عالم السحر الأسود، هناك نوع خبيث يُعرف بـ "سحر التفريق"، وهو لا يكتفي بإيذاء الجسد، بل يستهدف أقدس الروابط الإنسانية ليحيلها إلى رماد. وهنا، انقض الواقع ليضيف طعنة أعمق وأكثر وحشية من طعنات الجن؛ طعنة جاءت من حيث كان يجب أن يأتي الأمان. الأب، "عم كمال"، ذلك الرجل الذي أفنى عمره يعمل محاسباً بسيطاً في إحدى الشركات الحكومية، والذي كانت حياته كلها تدور حول توفير حذاء جديد لآية، أو مرجع طبي باهظ الثمن لسلمى، تحول فجأة إلى شخص غريب، كائن مسلوب الإرادة، تنهشه طاقة السحر المظلمة التي سُلطت لتدمير البيت وتفكيك أوصاله. لم يحدث التغيير في ليلة وضحاها، بل كان أشبه بالسم البطيء الذي يسري في العروق. في البداية، بدأ "عم كمال" يشعر بثقل غير طبيعي كلما اقترب من الحارة. خطواته، التي كانت تتسارع بلهفة للعودة إلى عائلته بعد يوم عمل شاق، أصبحت بطيئة ومترددة، وكأن هناك قيوداً حديدية غير مرئية تلتف حول كاحليه. بمجرد أن يضع قدمه على أول درجة من درجات سلم العمارة، كان يشعر بانقباض مفاجئ في صدره، ضيق في التنفس يجعله يلهث كمن يتسلق جبلاً. وعندما يصل إلى عتبة بابه الخشبي، كان يرى الباب وكأنه فم وحش مفتوح يستعد لابتلاعه. الرعب الحقيقي بدأ عندما تلاعب السحر بحواسه وإدراكه لمن يحبهم. عندما كان يدخل الشقة وتستقبله زوجته "الحاجة سعاد" بابتسامتها المعتادة المنهكة، لم يكن يرى وجه رفيقة دربه؛ كانت الغشاوة الشيطانية تصورها له في أبشع صورة. كان يرى ملامحها مشوهة، قاسية، وعينيها تفيضان بالشر. الأسوأ من ذلك كانت الرائحة؛ فبينما كانت رائحة الطعام تملأ البيت، كان هو يشم رائحة لا تُطاق، رائحة جيف متعفنة وكبريت محترق تنبعث من ملابس زوجته وبناته. كان يغطي أنفه باشمئزاز واضح، مما كان يغرس سكاكين من الحيرة والألم في قلب الحاجة سعاد التي لم تفهم سر هذا النفور المفاجئ. تطور الأمر من النفور الصامت إلى الكراهية العمياء والعداء المفتوح. الكيانات السفلية التي سكنت زوايا المنزل كانت تهمس في أذنيه طوال الوقت، تغذي عقله بأفكار سوداوية: "إنهن يستنزفنك... يردن موتك ليرثن شقاءك... هذه ليست ابنتك، إنها مسخ مريض". أصبح يرى سلمى، قرة عينه وطالبة الطب التي طالما تفاخر بها أمام الجيران، وكأنها عبء ثقيل وشبح كئيب يجلب النحس. لم يعد يطيق النظر في عينيها المنكسرتين، وكلما حاولت أن تشرح له آلامها أو كوابيسها، كان ينفجر في وجهها بغضب وحشي لم يعهده أحد فيه من قبل. بلغت المأساة ذروتها في يوم جمعة كئيب، وهو اليوم الذي كان يُعد مقدساً لتجمع العائلة. جلست الأسرة حول مائدة الطعام المتهالكة، الصمت يخيم على المكان، والتوتر يكهرب الهواء. مدت الحاجة سعاد يدها لتقدم له طبق الطعام، فارتعشت يدها قليلاً لتسقط قطرة من الحساء على طرف المائدة. في لمح البصر، تحول "عم كمال" إلى وحش كاسر. انتفض من مكانه بعينين محمرتين جاحظتين، وبرزت عروق رقبته وكأنها ستنفجر. ركل المائدة بقدمه لتنقلب الأطباق ويتناثر الطعام الساخن على الأرض وعلى ملابس بناته. صرخت آية واختبأت تحت الأريكة، بينما تسمرت سلمى في مكانها من هول الصدمة. بدأ الأب يصرخ بصوت خشن غريب، يلعن اليوم الذي تزوج فيه، ويلعن بناته بأبشع الألفاظ. "أنتم لستم عائلتي! أنتم شياطين تمتصون دمي! أريد أن أتنفس، هذا البيت عبارة عن مقبرة قذرة!". كانت كلماته تخرج محملة بحقد لا يمكن أن يصدر عن أب طبيعي؛ كان ينطق بلسان السحر الذي سيطر على كل خلية في دماغه. وفي تلك الليلة القاسية، اتخذ القرار الذي كسر ظهر العائلة للأبد. لم تكن لحظة وداع، بل كانت عملية هروب من جحيم وهمي صُنع في عقله. دخل إلى غرفة النوم بحركات عصبية متشنجة، سحب حقيبة قديمة من فوق الخزانة، وبدأ يلقي فيها ملابسه بعشوائية. وقفت الحاجة سعاد على باب الغرفة، دموعها تغسل وجهها الشاحب، تتوسل إليه بصوت متقطع، تمسك بطرف قميصه راجية إياه أن يقرأ القرآن، أن يذهب لشيخ، أن لا يترك بناته في هذا الضياع. لكنه التفت إليها بنظرة جليدية خالية من أي ذرة رحمة أو إنسانية، نفض يدها بقسوة جعلتها تسقط على الأرض، وقال ببرود قاتل: "اعتبريني مت. لم يعد لي بيت هنا، ولست مسؤولاً عنكم بعد هذه اللحظة". خرج من الشقة وصفق الباب خلفه بقوة زلزلت الجدران، دافناً معه آخر رمق من الأمل في تلك العائلة. لكن الطعنة لم تكتمل هنا. ففي غضون أسابيع قليلة، وبينما كانت سلمى وأمها تتضوران جوعاً ورعباً، وصلت الأخبار كالصاعقة إلى الحارة. "عم كمال"، الرجل المحافظ المديون، تزوج من امرأة أخرى تصغره بعشرين عاماً في منطقة مجاورة. لقد أنفق كل مدخراته القليلة وقام بعمل قرض، ليشتري بها ذهباً ورضا لزوجته الجديدة. لقد مُسح ماضيه تماماً، وتبرمج عقله بفعل السحر على حياة جديدة، تاركاً أسرته الأولى تواجه مصيراً أسود بلا أي غطاء مادي أو سند عاطفي. هذا الرحيل المفجع فتح أبواب الجحيم الأرضي على مصراعيها. وجدوا أنفسهم فجأة يتخبطون في بحر من الديون المتراكمة، صاحب البقالة في أول الحارة يرفض إعطاءهم الخبز أو الجبن، وفواتير الكهرباء والمياه تتراكم كالجبال. وحتى الفاكهاني اصبح يطالب بالمال القديم ولا يسمح بالأجل تدهورت حالة الحاجة سعاد الصحية تماماً وأصبحت ضعيفة لا تقوى حتى على إعداد الطعام يوميا او حتى بواجباتها المنزلية ، وباتت آية تعاني من صمت اختياري تبول لا إرادي. أما سلمى، فقد كانت تقف في منتصف الصالة المظلمة، تنظر إلى مكان المائدة المكسورة، وتستمع إلى أزيز الرياح الباردة التي تتسرب من النوافذ المكسورة. أدركت في تلك اللحظة القاسية أن اللعنة كانت عبقرية في خبثها. لم تكتفِ بتسليط كلاب سوداء تنهش لحمها في الكوابيس، بل سلطت عليها قسوة الحياة لتنهش روحها في اليقظة. دمرت عائلتها، جردتهم من أبيهم وعائلهم، وسرقت أمانهم بالكامل. شعرت سلمى أنها تُركت عارية في العراء لتواجه عواصف الشياطين وذل الفقر في آن واحد، وأن السقوط في بئر الجنون أو الموت أصبح مجرد مسألة وقت لا أكثر. وسط هذا الخراب، كان يجب أن يكون شقيقها الأوسط، "محمود" ذو التسعة عشر عاماً، سنداً لها، لكن الجهل والقسوة كانا سيدي الموقف. لم يستوعب محمود التغيرات الروحية التي تمر بها أخته، وبدلاً من احتوائها، اتخذ من جراحها مادة للتنمر والسخرية القاسية. كان مراهقاً طائشاً، يتهرب من ألم غياب والده وزواجه وهجرهم بصب غضبه على سلمى. كان يقف أمام غرفتها متعمداً رفع صوت الموسيقى الصاخبة ليحرمها من الراحة، ويصرخ في وجهها أمام الجيران وأصدقائه: "أنتِ مريضة نفسياً! مجنونة ومعقدة! أبي تركنا بسببك وبسبب كآبتكِ وتمثيلكِ المستمر. مكانكِ ليس في كلية الطب، مكانكِ في مستشفى (العباسية)، حيث يربطون أمثالكِ في الأسرة!". كلماته كانت كزجاج مكسور يُمضغ في فم سلمى. كانت تنكمش في زاوية غرفتها المظلمة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتبكي بصمت يمزق القلب. لقد سقطت في جحيم لا قاع له؛ جسد تنهشه الكيانات المظلمة كل ليلة، وعقل يُستنزف بهلاوس مرعبة في النهار، ووالد تخلى عنهم بلا رحمة، وأخ يتفنن في طعن كرامتها، وصديقة تدعي الحب بينما تدس لها سم السحر تحت وسادتها. كانت وحيدة تماماً، معزولة في غرفتها التي تحولت إلى مقبرة لأحلامها، تنتظر النهاية التي بدت محتومة ومظلمة.